كان مشهداً غريباً ومقلقاً هذا الصيف أن تظهر صور لزعيم حزب «ريفورم يو كيه» نايجل فاراج، وهو يخوض عراكاً مع أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، في استوديو برنامج Question Time على «بي بي سي». في إحدى الصور، بدا فاراج وهو يلقي كوباً من الماء على بيلي، وفي أخرى كان يصوب مسدساً نحوه.
لكن الصور كانت زائفة بالكامل، ومولدة بالذكاء الاصطناعي. واستخدمت في مقالات مزيفة منسوبة إلى «بي بي سي»، تزعم أن فاراج اتهم بنك إنجلترا بإخفاء خوارزميات تداول متطورة عن الجمهور ومشاركتها مع «حلفائه» من النخبة.
وتروج المقالات لمنصة تداول بالذكاء الاصطناعي تَعد بعوائد تصل إلى 7500 جنيه استرليني شهرياً مقابل استثمار أولي قدره 25 جنيهاً فقط. وبالطبع، لا علاقة لفاراج أو بيلي بهذه المنصة، إنها عملية احتيال.
لكن اللافت في هذه العمليات ليس استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل الرسالة التي تحملها؛ فالمحتالون يستغلون الخطاب الشعبوي القائم على فكرة أن نخبة فاسدة وغامضة ظلت تثري نفسها لسنوات، بينما تبقي بقية المجتمع مهمشاً اقتصادياً. والحل، كما يقدمونه، بسيط: اضغط على الرابط واستعد السيطرة على أموالك.
وشهدت عمليات الاحتيال المولدة بالذكاء الاصطناعي تطوراً كبيراً خلال السنوات الثلاث الماضية. ففي 2023، انتشرت مقاطع فيديو زائفة تستخدم صورة مارتن لويس، خبير الادخار البريطاني.
بينما شهد عام 2025 موجة من الشخصيات الرقمية التي تشبه مارتن وولف، كبير المعلقين الاقتصاديين في «فايننشال تايمز»، للترويج لمجموعات استثمارية مشبوهة.
لكن ويليام أيلز، الشريك المؤسس لشركة «Refundee» التي تساعد ضحايا الاحتيال على استرداد أموالهم، يقول إن هناك تحولاً في طبيعة الرسائل. فالمحتالون أصبحوا يعتمدون بصورة أكبر على خطاب مناهض للنخبة.
ومن السمات الأساسية لهذه العمليات مزج الحقيقة بالخيال. فقد تم استخدام استقالة وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتنج الحقيقية في إعلان احتيالي، لكن تم اختلاق سبب للاستقالة يتعلق بفشل الحكومة وبنك إنجلترا في طرح برنامج تداول بالذكاء الاصطناعي يتيح للمستثمرين العاديين جني الأموال.
وفي عملية أخرى، ظهرت الصحافية في «بي بي سي» لورا كوينسبيرج وهي تواجه رجل الأعمال جيم راتكليف بشأن تصريحاته عن الهجرة. صحيح أن راتكليف استخدم بالفعل عبارة أن «المهاجرين استعمروا بريطانيا»، ثم اعتذر عنها، لكن المواجهة المزعومة مع كوينسبيرج لم تحدث قط.
ويقول أيلز: إن الجدل والانقسام أصبحا الآن أكثر أهمية من الاستثمار نفسه، إذ تستخدم الموضوعات المثيرة للانتباه كـ«خطاف» لجذب الجمهور. وبعد وقوع المستخدم في الفخ، يدفع إلى منصة تداول جديدة لإنشاء حساب.
وفي حالة إعلانات فاراج وبيلي، كانت المنصة تحمل اسم «Ledgerholm»، واستخدمت رقم تسجيل مزيفاً لدى هيئة السلوك المالي البريطانية. وعندما سجل الكاتب فيها، تلقى اتصالاً من شخص قدم نفسه باسم «توماس»، لكنه أنهى المكالمة بمجرد سؤاله عن الطبيعة الاحتيالية للإعلان.
هذه الظاهرة ليست بريطانية فقط، فقد استهدفت عمليات مماثلة سياسيين في إسبانيا وبلجيكا، ورجال أعمال في إيطاليا ورومانيا، كما ظهرت صور مولدة بالذكاء الاصطناعي للشرطة السعودية وهي تعتقل امرأة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
ويرى سايمون ميلر، من وكالة مكافحة الاحتيال، أن هذه الرسائل تنجح لأنها تستغل مخاوف حقيقية لدى الناس، مثل القلق بشأن الاقتصاد والأوضاع المالية للأسر، لتحويلها إلى مدخل للاستثمار عالي المخاطر أو الاحتيال.
ويبدو أن ضعف الثقة بالمؤسسات البريطانية يوفر بيئة مواتية لذلك. فوفقاً لمسح حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يثق سوى ثلث البريطانيين بدرجة عالية أو متوسطة في المؤسسات العامة، مقابل متوسط يبلغ 40% في الدول المتقدمة الـ38.
كما أظهر مسح لهيئة السلوك المالي في 2024 أن 36% فقط من البريطانيين يرون أن معظم الشركات المالية تتعامل معهم بصدق وشفافية.
وتتغذى هذه العمليات أيضاً على «اصطياد الغضب»، حيث تحقق صفحات زائفة أرباحاً من نشر محتوى مثير للانقسام، غالباً ما يكون مولداً بالذكاء الاصطناعي. وتقول إليز توماس، من «مركز مرونة المعلومات»: إن نسبة كبيرة من نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة والمحتوى الضار يجري الترويج لها لأسباب مالية بحتة.
ويحذر هنري أجدير، الخبير في الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، من أن تأثير هذه المواد قد يستمر حتى عندما يدرك الناس أنها زائفة، إذ تشير أبحاث محدودة إلى أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يترك أثراً يغير تصورات المتلقين.
ويرى الخبراء أن التصدي للمشكلة يتطلب تحركاً متعدد الجوانب، يبدأ من منصات التواصل الاجتماعي. ويقترح فيليكس فلكه، المحاضر في القانون بجامعة أكسفورد، أن تعمل المنصات على منع المعلنين المرتبطين بمخاطر مالية مرتفعة من الإعلان أصلاً.
لكن تطبيق القواعد لا يزال غير متسق. فمكتبات الإعلانات لا تكشف دائماً معلومات كافية عن المعلنين، ويمكن لبعض الصفحات التي أزيلت إعلاناتها بسبب «ممارسات تجارية غير مقبولة» أن تبقى نشطة وتنشر إعلانات جديدة. كما يستطيع المعلنون تقديم معلومات زائفة عن هويتهم.
ومن شأن قواعد «أوفكوم» المقترحة بشأن الإعلانات الاحتيالية أن تفرض مزيداً من التدقيق، بما في ذلك التحقق من أن المعلنين يمثلون بالفعل الشركات التي يدعون تمثيلها، مع غرامات تصل إلى 18 مليون جنيه استرليني أو 10% من الإيرادات العالمية.
لكن التشريعات وحدها لن تكفي. فضعف الثقافة المالية يجعل المستهلكين أكثر عرضة للاستغلال. ويقول أليكس باركلي، الاستراتيجي المصرفي: إن المؤسسات التقليدية تركت كثيراً من الناس خلفها، وهو شعور يستطيع المحتالون استغلاله بسهولة.
وفي النهاية، قد يكون الخطر الأكبر أنه للاحتيال يكفي أن تقنع الناس أن النظام لا يعمل لمصلحتهم، وأن هناك طريقاً سريعاً للخروج منه. وعندما يجتمع هذا الشعور مع قوة الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور والقصص المقنعة، يصبح الغضب نفسه أداة مالية مربحة للمحتالين.