تفكيك

ستة أشهر بلا صورة أو صوت..
إيران يحكمها مرشد لا يراه أحد

30 أغسطس 2026
ستة أشهر بلا صورة أو صوت..
إيران يحكمها مرشد لا يراه أحد

بعد نحو ستة أشهر على اختياره مرشداً أعلى لإيران، لا يزال مجتبى خامنئي غائباً بصورة كاملة عن المشهد العام، فلا صورة حديثة، ولا تسجيل مصور، ولا حتى رسالة صوتية يمكن التحقق منها، في مفارقة تزداد غرابة مع إصرار مسؤولين إيرانيين على أن الرجل الذي لا يراه الإيرانيون لا يزال يرى كل شيء تقريباً، ويتابع الملفات ويتلقى التقارير ويعقد الاجتماعات ويصدر القرارات النهائية!

فغياب خامنئي الابن، الذي أصيب بجروح بالغة خلال الضربات الجوية التي أشعلت الحرب وأودت بحياة والده علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، بدأ يتحول من مسألة صحية وأمنية إلى قضية تتعلق بطبيعة السلطة نفسها داخل الجمهورية الإسلامية، خصوصاً أن إيران تواجه واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ ثورة عام 1979.

وتقول مصادر ومسؤولون إيرانيون إن المرشد يتعافى من إصابات خطيرة تسببت أيضاً في تشوهات بملامح وجهه، وإن الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة به تهدف إلى منع الولايات المتحدة وإسرائيل من الوصول إليه، مؤكدين أنه لا يزال يتلقى التقارير الرئيسية ويجتمع بكبار المسؤولين ويملك الكلمة الأخيرة في الملفات المهمة.

لكن الرواية تترك وراءها مشكلة يصعب تجاوزها، فدولة تقول إن مرشدها يعقد الاجتماعات باستمرار، لكنها لم تتمكن خلال ستة أشهر من نشر ثانية واحدة من صوته أو صورة واحدة تثبت ظهوره بعد توليه المنصب.

حتى الرئيس مسعود بزشكيان أعلن أنه عقد في 10 أغسطس (آب) اجتماعاً مع خامنئي استمر سبع ساعات، وقال مكتب المرشد إن الاجتماع تناول الحرب والاقتصاد ومستقبل البلاد، لكن اللقاء الطويل انتهى كما بدأت بقية لقاءات المرشد المعلنة، ببيان مكتوب بلا صورة.

وكان بزشكيان قد أقر قبل ذلك بأن التواصل مع خامنئي "صعب جداً في الوقت الراهن"، رغم حديثه عن اجتماعات مثمرة معه، فيما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إنه لم يلتقِ المرشد وجهاً لوجه منذ توليه منصبه.

ولم يساعد الإعلام الإيراني في تبديد الغموض، فعندما انتشر تسجيل يظهر مجتبى خامنئي إلى جانب عدد من رجال الدين واعتبره البعض أول دليل مصور على ظهوره، سارعت وكالة (فارس) التابعة للحرس الثوري إلى نفي أن يكون حديثاً، مؤكدة أنه يعود إلى فترة سابقة.

أما الغياب الأكثر إثارة للتساؤلات فكان عن أسبوع مراسم تشييع والده، إذ لم يظهر المرشد الجديد في مناسبة كان يفترض أن تجمع بين البعد العائلي والرمزية السياسية وانتقال السلطة، وهو ما وسع دائرة الشكوك من خصوم النظام إلى بعض مؤيديه.

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدوره على خط التكهنات، قائلاً إنه لا يعتقد أن خامنئي توفي، لكنه أشار إلى تعرضه لإصابات "خطيرة جداً" شملت الجانب الأيسر من جسده وذراعه وساقه، قبل أن يضيف أنه في حال كان المرشد قد مات بالفعل، فإن السلطات الإيرانية تقدم "عرضاً مقنعاً جداً" باستمرار حديثها عن العودة إليه للحصول على الموافقات!

لكن فرضية وفاة خامنئي ليست بالضرورة الأكثر أهمية في قراءة المشهد الإيراني، فالمشكلة السياسية الأكبر قد تكمن في المسافة بين كونه على قيد الحياة وبين قدرته الفعلية على ممارسة الصلاحيات الهائلة التي يمنحها النظام للمرشد.

وخلال أشهر غيابه، فوض خامنئي، وفق مصادر إيرانية، صلاحيات واسعة في الإدارة اليومية إلى مجموعة من كبار المسؤولين، بالتزامن مع تنامي دور المجلس الأعلى للأمن القومي واتساع نفوذ الحرس الثوري في إدارة الملفات الاستراتيجية.

وهنا تظهر المفارقة الأهم: الجمهورية الإسلامية أثبتت خلال الحرب أنها قادرة على الاستمرار في ظل غياب مرشدها عن المجال العام، ومقتل عدد من كبار قادتها العسكريين، من دون انهيار هرم السلطة، وأن مؤسسات أخرى تستطيع ملء المساحة التي تركها المرشد.

ويبدو الحرس الثوري المستفيد الأبرز من هذه المعادلة، فمصادر داخل إيران تتحدث عن توسع دوره منذ اندلاع الحرب، وعن تمركز متزايد لعملية صنع القرار حول المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم كبار قادة الحرس إلى جانب بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وشخصيات أخرى.

ومع استمرار الحرب وتفاقم الضغوط الاقتصادية وانهيار الريال والحصار المفروض على صادرات النفط، يصبح السؤال عن صاحب القرار أكثر أهمية، خصوصاً أن ملفات بحجم التسوية مع واشنطن أو مواصلة الصراع تحتاج، وفق بنية النظام الإيراني نفسها، إلى موافقة المرشد الأعلى.

ولهذا لم يعد الجدل مقتصراً على السؤال عما إذا كان مجتبى خامنئي حياً أم ميتاً، بل انتقل إلى سؤال أكثر إحراجاً للنظام: هل يمارس المرشد فعلاً سلطاته، أم أن المؤسسات التي تدير البلاد تستخدم وجوده الغائب لتوفير الغطاء للقرارات التي تتخذها؟

ولا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالجزم بالفرضية الثانية، كما تؤكد مصادر إيرانية متعددة أن خامنئي يشارك في الاجتماعات ويصدر القرارات، لكن استمرار الغياب يمنح الشكوك وقوداً مجانياً، إذ يستطيع أي جناح داخل النظام أن يقول إن موقفه يحظى بموافقة المرشد، بينما لا يستطيع الإيراني العادي سماع المرشد نفسه يقول ما يريد.

وهكذا وجدت الجمهورية الإسلامية نفسها أمام مشهد لم تعرفه حتى في أكثر مراحلها اضطراباً، يتمثل في مرشد أعلى حاضر في كل بيانات الدولة تقريباً، وغائب عن كل كاميراتها.

وربما لهذا لم يعد السؤال في طهران عن سبب عدم ظهور مجتبى خامنئي وحده، وإنما عن هوية من يدير إيران خلال هذا الغياب، وما إذا كانت الأشهر الستة الماضية قد صنعت، من دون إعلان رسمي، نظاماً تستطيع فيه الجمهورية الإسلامية الاستمرار بمرشد موجود في أعلى هرم السلطة.. لكن من خلف الستار.

شارك المقال f 𝕏 in