تفكيك

ترامب يرسم شرق أوسط ما بعد إيران..
تحالف لمحاصرة طهران وتطبيع أوسع مع إسرائيل

واشنطن - سدن
4 سبتمبر 2026
ترامب يرسم شرق أوسط ما بعد إيران..
تحالف لمحاصرة طهران وتطبيع أوسع مع إسرائيل

واشنطن - سدن

فيما لا تزال الصواريخ والغارات ترسم مشهد الحرب مع إيران، بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى ما بعدها، وتعمل على مشروع أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، يقوم على تطويق طهران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وبناء اصطفاف إقليمي جديد بضمانة أميركية.

وبحسب تقرير نشره موقع (أكسيوس) المقرب من البنتاغون، فإن ترامب شرع بالفعل في صياغة استراتيجية شاملة للعامين الأخيرين من ولايته، لا تتعامل مع الحرب الإيرانية باعتبارها غاية بحد ذاتها، بل بوصفها نقطة انطلاق نحو هندسة توازنات جديدة في المنطقة.

ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة أن الخطة لا تزال في مراحلها الأولى، لكنها باتت موضع نقاش على أعلى المستويات داخل الإدارة، فيما عقد ترامب اجتماعين مع كبار مستشاريه خلال الأسابيع الأخيرة لمناقشة ملامح المرحلة المقبلة.

وبحسب المصادر، تحدث الرئيس الأميركي في لقاءات خاصة عن عمله على "شيء أكبر بكثير" في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب.

ثلاثة مسارات لشرق أوسط جديد

وتتحرك التصورات الأميركية الأولية على ثلاثة مسارات متوازية، أولها إنشاء اصطفاف إقليمي يضم حلفاء واشنطن، تكون الولايات المتحدة ضامنة له، وتتمثل مهمته الأساسية في احتواء إيران ومنعها من استعادة النفوذ والقدرات التي خسرتها خلال الحرب.

أما المسار الثاني، فيقوم على إغلاق الملفات التي انفجرت بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، من خلال الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترامب الخاصة بغزة، والعمل على إنجاز اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، وتنفيذ التفاهمات بين إسرائيل ولبنان.

ويذهب المسار الثالث إلى ما هو أبعد، عبر إعادة إطلاق عملية توسيع “اتفاقيات أبراهام”، مع وضع التطبيع السعودي–الإسرائيلي في قلب المشروع الأميركي المقبل.

وبذلك، تبدو واشنطن وكأنها تريد الانتقال من إضعاف إيران عسكرياً إلى حصار نفوذها إقليمياً، أي منع طهران من تعويض خسائر الحرب بإعادة بناء شبكاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في العراق ولبنان وسوريا والمنطقة.

ترامب: الحرب مع إيران أمر بسيط

وبالتوازي مع النقاشات السياسية، رفع ترامب منسوب التهديد العسكري، معلناً أن القوات الأميركية قد تستهدف منشأة )جبل الفأس( الإيرانية "قريباً جداً".

وقال ترامب إن القوات الأميركية أزالت جميع الألغام من مضيق هرمز، وإن حركة السفن عادت بصورة طبيعية، مضيفاً أن الولايات المتحدة دمّرت الرادارات الإيرانية المتقدمة وتعرف تحركات طهران، وأنها نجحت في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

ووصف ترامب الحرب مع إيران بأنها "أمر بسيط" بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن الضربات الأميركية ضد طهران مستمرة وبقوة.

ولم يقتصر حديث الرئيس الأميركي على العمليات العسكرية، إذ كشف عن إنشاء المزيد من خطوط أنابيب النفط في الشرق الأوسط، مشيراً إلى مرور شاحنات النفط عبر الأراضي السورية، ومعتبراً أن التطورات الجارية قد تجعل مضيق هرمز في نهاية المطاف أقل أهمية مما كان عليه طوال العقود الماضية.

وإذا اقترنت هذه التصريحات بالمشروع الإقليمي الذي تناقشه إدارته، فإنها تكشف عن توجه لا يستهدف القدرات العسكرية الإيرانية وحدها، بل يسعى كذلك إلى تقليص قدرة طهران على استخدام الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية أوراقاً للضغط على خصومها.

بيسنت يخنق شريان النفط

وفي الجبهة الاقتصادية، واصلت إدارة ترامب تشديد الحصار على إيران، إذ أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت فرض عقوبات على بنك (غولدن غلوبال) في تركيا ضمن ما تصفه واشنطن باستراتيجية تحويل إيران إلى "منبوذ اقتصادي".

وقال بيسنت إن واشنطن عازمة على ملاحقة المؤسسات والجهات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، محذراً من أن البنوك والجهات الداعمة لطهران ستكون تحت الرصد والملاحقة.

وفي مؤشر أكثر خطورة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، أكد بيسنت أنه لم تغادر أي شحنة نفط إيرانية عبر مضيق هرمز إلى الصين منذ إعادة فرض الحصار، قائلاً إن الولايات المتحدة قطعت (شريان الحياة) لصادرات النفط الإيرانية، وإن إيرادات طهران تتضاءل بسرعة، فيما يتكدس نفطها على متن سفن عالقة في المنطقة.

وهكذا تتحرك الاستراتيجية الأميركية على مسارين متزامنين: تدمير القدرة العسكرية التي تستطيع طهران استخدامها في الحرب، وتجفيف الموارد التي يمكن أن تستخدمها لإعادة بناء قوتها بعد الحرب.

10 ملايين دولار مقابل قيادي في الحرس الثوري

الضغط الأميركي امتد كذلك إلى الحرب السيبرانية، إذ أعلن برنامج (مكافآت من أجل العدالة) التابع لوزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى تحديد هوية أو الوصول إلى العميد أمير يارياب، أحد أبرز المسؤولين في القيادة السيبرانية–الإلكترونية للحرس الثوري الإيراني.

وتتهم واشنطن يارياب بالإشراف على مجموعات نفذت هجمات إلكترونية استهدفت بنى تحتية حيوية ومدنية في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وشملت قطاعات الطاقة والدفاع والشحن والإعلام والأنظمة المالية.

وسبق ليارياب أن عمل ملحقاً عسكرياً إيرانياً في النمسا وسلوفاكيا، فيما تربطه السلطات الأميركية بمجموعتي (شهيد همت) و(شهيد شوشتري) وشبكات إلكترونية أخرى تعمل لمصلحة الحرس الثوري.

السعودية تتسلح.. وصفقات بمليارات الدولارات

وفي توقيت لا يبدو منفصلاً عن إعادة رسم البيئة الأمنية في المنطقة، وافقت إدارة ترامب على حزمة صفقات عسكرية جديدة للسعودية وسلطنة عُمان.

وتشمل الموافقات بيع محركات AGT-1500 الرئيسية لدبابات (أبرامز M1) السعودية ومعدات مرتبطة بها بقيمة تقارب 750 مليون دولار، إلى جانب صفقة ضخمة بقيمة خمسة مليارات دولار تشمل ذخائر الهجوم المباشر المشترك بعيدة المدى JDAM-ER وتجهيزاتها.

كما وافقت واشنطن على توفير خدمات صيانة محتملة لطائرات F-16 العُمانية بقيمة 188 مليون دولار.

وتكتسب هذه الصفقات أهمية إضافية في ضوء المشروع الذي تناقشه إدارة ترامب لبناء منظومة إقليمية لاحتواء إيران، بما يوحي بأن واشنطن لا تفكر فقط في شكل التسوية السياسية بعد الحرب، وإنما كذلك في شكل ميزان القوة الذي سيحمي تلك التسوية.

من ضرب إيران إلى إعادة تركيب المنطقة

المعطيات المتلاحقة ترسم، في المحصلة، صورة تتجاوز الحرب الجارية نفسها.

فإدارة ترامب تضرب البنية العسكرية الإيرانية، وتلاحق شبكات طهران المالية، وتحاصر صادراتها النفطية، وتطارد أذرعها السيبرانية، وفي الوقت ذاته تعزز القدرات العسكرية لحلفائها وتناقش ترتيبات أمنية جديدة من سوريا ولبنان إلى الخليج.

وبين هذه المسارات جميعاً، يظهر الهدف السياسي الأكبر، بان لا تنتهي الحرب بمجرد توقف الصواريخ، بل بانطلاق مرحلة تعاد فيها صياغة التوازنات التي حكمت الشرق الأوسط طوال السنوات الماضية.

وإذا انتقلت الأفكار التي كشف عنها (أكسيوس) من غرف الاجتماعات إلى التنفيذ، فإن مشروع ترامب لما بعد الحرب لن يكون مجرد خطة لاحتواء إيران، وإنما محاولة لبناء شرق أوسط تصبح فيه طهران أضعف، وشبكاتها أضيق، وإسرائيل أكثر اندماجاً، وحلفاء واشنطن أكثر ترابطاً تحت مظلة أميركية واحدة.

وعندها، قد يتضح أن الحرب على إيران لم تكن، في حسابات البيت الأبيض، سوى الفصل الأول من مشروع أكبر بكثير.

شارك المقال f 𝕏 in