بغداد - سدن
بعد نحو سبع سنوات من الأسئلة التي بقي كثير منها بلا إجابات حاسمة، أعادت تصريحات زعيم مليشيا منظمة (بدر) هادي العامري ملف ضحايا احتجاجات تشرين 2019 إلى الواجهة، وهذه المرة من بوابة قد تتحول من سجال سياسي إلى مسار قضائي وحقوقي، بعدما بدأت عائلات قتلى ومصابين بجمع واستكمال الوثائق المتعلقة بأبنائها تمهيداً لتقديم دعاوى أمام القضاء العراقي.
وكان العامري قد قال إن "المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي"، وهي عبارة أثارت غضباً واسعاً بين عائلات الضحايا، ودفعت بعضها إلى اعتبارها أول إشارة علنية من شخصية قيادية بارزة في الفصائل إلى دور ما لعبته قوى توصف بـ(المقاومة) في مواجهة الاحتجاجات.
لكن قانونياً، لا يعني التصريح، بصيغته الحالية، ثبوت مسؤولية العامري أو منظمة بدر أو أي فصيل بعينه عن قتل المتظاهرين، ولا يشكل بمفرده دليلاً كافياً للإدانة، غير أنه قد يكتسب أهمية مختلفة باعتباره معلومة تستحق التحقيق، ولا سيما إذا أمكن ربطها بأدلة وشهادات ووثائق أخرى تتعلق بهوية الجهات المسلحة التي شاركت في مواجهة المحتجين.
وتقول أم عادل (55 عاماً)، وهي والدة أحد قتلى الاحتجاجات، إن ابنها سقط في الأيام الأولى من تظاهرات تشرين بعدما أصابته رصاصة في الرأس، مضيفة أن الشباب خرجوا للمطالبة بالخدمات والعدالة في توزيع موارد البلاد.
وتعتبر أن تصريح العامري منح عائلات الضحايا سبباً جديداً للعودة إلى القضاء، مؤكدة عزمها تقديم دعوى لمعرفة الجهة التي قتلت ابنها ومحاسبة المسؤولين عنها، حتى وإن كانت فرص الوصول إلى نتيجة قضائية محدودة.
ويرى الخبير القانوني محمد جمعة، أن كلام العامري لا يمثل "اعترافاً صريحاً" بالمعنى القانوني الذي يسمح ببناء مسؤولية جنائية مباشرة عليه أو على الفصائل، إذ يمكن تفسير عبارته بأكثر من اتجاه.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يمنع الجهات المختصة من فتح تحقيق بشأن التصريح والاستماع إلى العامري لمعرفة المقصود تحديداً بعبارة أن "المقاومة وقفت أمام تشرين"، وطبيعة هذا الدور والجهات التي كان يشير إليها.
ماذا لو تحركت منظمات حقوقية دولية؟
وهنا قد يأخذ الملف مساراً أكثر حساسية، فتقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وثقت بالفعل انتهاكات خطيرة رافقت احتجاجات تشرين، شملت القتل والاستخدام المفرط للقوة والاختطاف والتعذيب والاغتيالات، كما تحدثت عن أعمال نسبت إلى (عناصر مسلحة غير محددة الهوية).
ولذلك، فإن ظهور تصريح جديد من شخصية سياسية وعسكرية بحجم العامري يتحدث صراحة عن وقوف (المقاومة) في مواجهة تشرين، يمكن أن يدفع منظمات حقوق الإنسان إلى المطالبة بإعادة فحصه إلى جانب الأدلة السابقة، وليس التعامل معه بوصفه اعترافاً نهائياً قائماً بذاته.
ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، العراق ملزم بالتحقيق الفعال والمستقل في حالات الحرمان غير المشروع من الحياة والتعذيب والاختفاء القسري، وبملاحقة المسؤولين عندما تتوافر الأدلة، فضلاً عن توفير سبل انتصاف وجبر ضرر فعالة للضحايا وعائلاتهم.
وهذا يعني أن المسألة، دولياً، لا تتوقف بالضرورة عند سؤال هل اعترف العامري بالقتل، بل يمكن أن يصبح السؤال هل يمثل كلامه خيطاً جديداً كان يتوجب على السلطات العراقية التحقيق فيه لتحديد هوية الجماعات المسلحة التي شاركت في قمع الاحتجاجات؟
وفي حال تحركت منظمات حقوقية دولية، يمكن أن يتحول التصريح إلى جزء من ملف توثيقي أوسع، وأن تستخدمه تلك المنظمات للمطالبة بتحقيقات جديدة أو مخاطبة آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان والقتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والتعذيب، بحسب طبيعة كل واقعة.
لكن ذلك لا يعني تلقائياً انتقال القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، فالعراق ليس دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وبالتالي لا تملك المحكمة اختصاصاً تلقائياً عاماً بالجرائم المرتكبة على الأراضي العراقية لمجرد تحرك منظمة حقوقية.
ملف دولي موجود أصلاً
والأهم أن المجتمع الدولي لم يبدأ توثيق قضية تشرين اليوم، فقد وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 487 متظاهراً وإصابة 7,715 آخرين بين تشرين الأول 2019 ونهاية نيسان 2020، نتيجة أعمال عنف ارتكبتها قوات أمن وحوادث نسبت إلى (عناصر مسلحة غير محددة الهوية)، كما خلصت تقارير أممية لاحقة إلى أن التقدم في محاسبة المسؤولين ظل محدوداً.
ومن هنا، قد لا تكمن الأهمية القانونية لتصريح العامري في كونه (اعترافاً) كما وصفه بعض ذوي الضحايا، وإنما في إمكانية وضعه بجانب ملف موجود أصلاً من الشهادات والتقارير والتحقيقات والأدلة، والسؤال عن المقصود بـ(المقاومة)، ومن هي القوى التي شاركت فعلياً، وماذا كان شكل مشاركتها، ومن أصدر الأوامر إن ثبت وقوع جرائم.
ويقول أبو ياسر (60 عاماً)، والد أحد ضحايا تشرين، إن كلام العامري لا يمكن بالنسبة إلى عائلات القتلى المرور عليه باعتباره مجرد زلة لسان، لكنه يبدي في الوقت نفسه تشاؤمه من قدرة الدعاوى الجديدة على تحقيق العدالة التي انتظرتها العائلات طوال السنوات الماضية.
وبين القراءة السياسية والتفسير القانوني، أعاد تصريح واحد ملفاً ثقيلاً إلى الطاولة، فبعد سنوات كان السؤال فيها يدور حول هوية (العناصر المسلحة المجهولة) التي ظهرت في التقارير والتحقيقات المتعلقة بتشرين، قد يصبح السؤال الذي يلاحق القضاء العراقي الآن أكثر تحديداً: من هي المقاومة التي قال هادي العامري إنها وقفت أمام تشرين؟ وكيف وقفت أمامها؟