تفكيك

فوكوياما يراجع (نهاية التاريخ)..
الليبرالية لم تنتصر إلى الأبد والتاريخ قد يعيد نفسه في دورات

4 سبتمبر 2026
فوكوياما يراجع (نهاية التاريخ)..
الليبرالية لم تنتصر إلى الأبد والتاريخ قد يعيد نفسه في دورات

بعد أكثر من ثلاثة عقود على إطلاق عبارته الأشهر، يعود فرانسيس فوكوياما إلى (نهاية التاريخ) لا كي ينسفها، بل كي يجري لها جردة حساب طويلة أمام عالم مختلف تماماً عن ذلك الذي خرج من الحرب الباردة.

ففي حديثه مع مجلة (بروسبكت) البريطانية، بالتزامن مع صدور كتابه الجديد In the Realm of the Last Man، يبدو فوكوياما أقل احتفالاً بانتصار الليبرالية، وأكثر انشغالاً بمشكلة أخرى، حول ماذا يحدث للديمقراطية عندما تنسى الأجيال لماذا احتاجت إليها أصلاً؟

فالقراءة الشائعة لأطروحته القديمة اختزلتها في أن الحروب والصراعات الكبرى انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، بينما كان ما يقوله أكثر تعقيداً، حيث لم يظهر في رأيه، نموذج فكري أكثر إقناعاً من الديمقراطية الليبرالية القائمة على الحرية والمساواة في الكرامة لتنظيم المجتمعات الحديثة.

لكن الانتصار الفكري شيء، واستمرار الناس في اختيار هذا النموذج شيء آخر.. وهنا تبدأ مراجعة فوكوياما الحقيقية.

المشكلة ليست في الليبرالية بل في الذاكرة

فحتى في أكثر سنوات الغرب ثقة بنفسه، كان فوكوياما قد حذر من مفارقة تبدو اليوم أكثر وضوحاً، بان المجتمعات التي تنجح في تحقيق الاستقرار والرخاء والحرية قد تنتج أجيالاً لا تعرف ثمن غياب هذه الأشياء.

فالجيل الذي عاش الدكتاتورية يعرف لماذا يحتاج إلى الديمقراطية، أما الجيل الذي ولد داخلها، فقد يتعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً، ثم يشعر بالملل منها أو يحملها مسؤولية أزمات لم يختبر البدائل الأسوأ منها.

ولهذا يطرح فوكوياما اليوم فكرة أكثر إثارة من أطروحته الأصلية، بحيث ربما لا تكون (نهاية التاريخ) محطة نهائية، بل دورة: ديمقراطية ليبرالية، ثم نسيان لتجربة الاستبداد، ثم انجذاب إلى حلول شعبوية أو سلطوية، ثم اصطدام بكلفة تلك البدائل، وأخيراً عودة إلى الديمقراطية.

وبهذا المعنى، لم يعد التاريخ عنده خطاً مستقيماً نحو نهاية واحدة، وإنما حركة يمكن للمجتمعات أن تتقدم فيها وتتراجع.

ترامب.. الاختبار الأميركي

ينظر فوكوياما إلى دونالد ترامب باعتباره الخطر الداخلي الأكبر على النموذج الأميركي الذي كان يوماً المثال الأهم في أطروحته.

وفي قراءته الجديدة، لا يمثل ترامب مجرد رئيس محافظ أو شعبوي، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمؤسسات على نحو أكثر سلطوية، وهو ما يراه خروجاً عن مسار أميركي تاريخي طويل بدأ في رمزيته مع مبادئ إعلان الاستقلال.

 لكن فوكوياما لا يذهب إلى أن السلطوية انتصرت، وهو يرفض تحديداً ذلك النوع من التشاؤم الذي يحول تقدم الشعبوية إلى قدر تاريخي، لأن الاعتقاد بحتمية الهزيمة يصبح في حد ذاته أحد أسباب الهزيمة، وبالنسبة إليه، التاريخ لا يزال مفتوحاً على التعبئة السياسية والمقاومة والمؤسسات والانتخابات.

ومن هنا، يبدو قلقه من انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2028 أكبر من قلقه من انتخابات التجديد النصفي في 2026، ليس فقط بسبب ترامب أو الجمهوريين، بل أيضاً بسبب احتمال أن يختار الديمقراطيون مرشحاً شديد الراديكالية يستطيع الانتصار داخل المدن الليبرالية الكبرى ولا يستطيع بناء أغلبية وطنية.

وفوكوياما هنا لا يخشى اليمين وحده، بل يخشى أن تصبح الليبرالية أسيرة جناحها الأكثر انعزالاً عن المزاج العام.

أوروبا: الشعبوية ليست دائماً انقلاباً

قراءته لأوروبا أقل سوداوية مما قد توحي به نتائج الانتخابات، فهو يقلق من صعود (البديل من أجل ألمانيا)، لكنه يعتقد أن طبيعة النظام الائتلافي الألماني تقيد قدرة الحزب على تحويل الشعبية الانتخابية إلى انقلاب شامل على النظام السياسي.

ويقدم جورجيا ميلوني في إيطاليا مثالاً على الفارق بين خطاب المعارضة وممارسة الحكم، فالوصول إلى السلطة لا يقود بالضرورة إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أو تحطيم حلف شمال الأطلسي، فالمؤسسات في هذه القراءة، ليست ديكوراً، هي إحدى الآليات التي تجبر الشعبويين أحياناً على التكيف مع الدولة التي أرادوا تغييرها.

العراق.. الاعتراف الأصعب

لكن المراجعة الأكثر أهمية في مسيرة فوكوياما ليست (نهاية التاريخ)، وإنما العراق، فالرجل كان جزءاً من البيئة الفكرية للمحافظين الجدد، وأيد في البداية التوجه نحو إسقاط نظام صدام حسين، قبل أن تصبح الحرب نفسها نقطة الانفصال الكبرى بينه وبين تلك المدرسة.

فهو يعترف اليوم بأن قربه الشخصي والفكري من شخصيات مثل بول وولفويتز جعل الاعتراف المبكر بخطأ المجموعة أكثر صعوبة، وهذه ربما إحدى أكثر ملاحظاته قسوة على النخب، حيث الذكاء لا يمنع الإنسان من الخطأ، بل قد يمنحه قدرة أكبر على بناء حجج شديدة التعقيد لتبرير فكرة خاطئة يؤمن بها مسبقاً.

ودرس العراق عند فوكوياما لم يكن أن صناع الحرب كانوا يتحركون ضمن (مؤامرة) بالضرورة، بل أنهم فشلوا في التفكير بما يمكن أن تفعله النتائج غير المقصودة للقوة العسكرية، فإسقاط نظام ليس هو بناء دولة، والانتصار العسكري لا يعني القدرة على السيطرة على ما يولده الانتصار من فراغات وانقسامات ومؤسسات منهارة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يرى فوكوياما خطراً مشابهاً في الطريقة التي يتعامل بها ترامب مع إيران، من حيث قوة عسكرية هائلة، يقابلها احتمال التقليل من حجم الفوضى التي يمكن أن تبدأ بعد انتهاء الضربة الأولى.

الدولة عادت إلى أفكاره

تجربة العراق لم تغير موقف فوكوياما من الحرب فقط، فقد دفعته إلى إعادة النظر في سلسلة كاملة من أفكار مرحلة التسعينيات، كالإيمان المفرط بالأسواق، والتقليل من دور الدولة، والثقة بأن المجتمع والاقتصاد يستطيعان تنظيم نفسيهما إذا انسحبت المؤسسات العامة إلى الخلف، فبعد تجربة العراق، أصبحت الدولة في فكره أكثر مركزية، وليس بمعنى الدولة السلطوية، بل الدولة القادرة: مؤسسات، بيروقراطية، قانون، قدرة على تنفيذ القرارات وحفظ النظام وإدارة المجتمع، وهي مراجعة مهمة لرجل ارتبط اسمه ذات يوم بلحظة بدا فيها لكثيرين أن السوق والديمقراطية سيكملان المهمة وحدهما.

البشر ليسوا آلات اقتصادية

مراجعته تشمل أيضاً الاقتصاد، فهو اليوم يرفض اختزال الإنسان إلى كائن عقلاني يسعى باستمرار إلى تعظيم منفعته الشخصية، وعنده البشر يتحركون بالهوية والكرامة والعادة والانتماء والإيثار والغضب والرغبة في خدمة الآخرين، ولذلك تفشل النماذج الاقتصادية حين تحاول تفسير السياسة بالمال والمصلحة وحدهما.

والأمر نفسه ينطبق على العلاقات الدولية، فهو يعترض على النسخة الجامدة من المدرسة الواقعية التي تتعامل مع الدول باعتبارها صناديق مغلقة تتحرك وفق مصلحة وطنية ثابتة.

وفي نظره، لا توجد مصلحة وطنية مستقلة عن المجتمع نفسه، فالسياسة الداخلية، والهوية، والمؤسسات، وصراع الطبقات والجماعات هي التي تحدد ما تعتبره الدولة مصلحتها أصلاً.

الهوية.. حين تتحول إلى غيتو

خلفيته العائلية اليابانية - الأميركية تظهر أيضاً في موقفه من سياسات الهوية، فأفراد من عائلة والده تعرضوا للاحتجاز في المعسكرات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، لكن والده نفسه عاش لاحقاً تجربة اندماج عميقة في الهوية الوطنية الأميركية، ولهذا يرفض فوكوياما تحويل الأصل الإثني إلى قفص سياسي دائم، فالسياسة التي تقول للإنسان إن هويته الأساسية والنهائية هي عرقه أو إثنيته قد تبدأ باسم الاعتراف بالخصوصية، لكنها تنتهي، في رأيه، ببناء غيتوات متوازية تعجز عن إنتاج هوية وطنية مشتركة.

حتى التكنولوجيا دخلت القلق

كتاب فوكوياما الجديد لا ينحصر في السياسة، فهناك قلق آخر أكثر يومية وربما أكثر رعباً، يتمثل بان الإنسان الحديث يعيش داخل منظومات تقنية شديدة التعقيد لا يعرف كيف تعمل، فالكهرباء، والاتصالات، وشبكات البيانات، وسلاسل الإمداد، والأنظمة المالية، كلما ازدادت كفاءة هذه الأنظمة، ازداد اعتماد المجتمع عليها، بينما تتراجع قدرة الفرد على التعامل مع انهيارها.. أي أن الحضارة التي جعلت الإنسان أكثر قوة جعلته، في الوقت نفسه، أكثر هشاشة أمام تعطل الشبكات التي تحيط به.

فوكوياما 2026: نهاية النهاية

الرجل الذي يظهر اليوم ليس ذلك المفكر الذي رسمت له صورة ساخرة بوصفه مبشراً بعالم بلا حروب، إنه ليبرالي قلق، أقل ثقة بقدرة الديمقراطية على حماية نفسها تلقائياً، لكنه لا يزال مقتنعاً بأنها أكثر النماذج السياسية قابلية للدفاع عنها، والمراجعة الأهم لديه ليست أن (نهاية التاريخ) كانت خطأ، بل أن النهاية لا تحمي نفسها، بحيث يمكن للمجتمعات أن تصل إلى الديمقراطية ثم تنساها، ويمكنها أن تمل الحرية، وتجرب السلطوية وتدفع ثمنها، ثم تعود إلى نقطة البداية.

وهكذا ينتقل فوكوياما من تصور تاريخ يسير نحو محطة أخيرة، إلى تصور أكثر قسوة وواقعية: ان التاريخ قد يصل إلى النهاية.. ثم ينسى أنه وصل إليها.

شارك المقال f 𝕏 in