بغداد – سدن
في العراق، لم تعد مياه الصرف الصحي مشكلةً تختبئ تحت الأرض أو تنتهي مهمتها عند أبواب محطات المجاري، فجزء هائل منها يجد طريقه، كل يوم، إلى دجلة والفرات، إلى النهر الذي نشرب منه، والماء الذي نغسل به، والمصدر الذي تُروى منه المزروعات التي تعود إلينا خضاراً وفاكهة على موائدنا.
فنحو 6 ملايين متر مكعب من المياه الآسنة تطرح يومياً بصورة مباشرة في نهري دجلة والفرات، وفق عضو لجنة الصحة النيابية غيث شبع، بينما تكشف بيانات وفحوص رقابية وميدانية عن مستويات مقلقة من التلوث في مصادر المياه ومحطات الإسالة.
وبالتالي، فان ما تطرحه المدن والمستشفيات والمصانع والمصافي ومحطات الكهرباء من مخلفات، يعود جزء منه ليدور في دورة أكثر قذارة مما يمكن تخيله، مجارٍ إلى النهر، ونهر إلى محطات المياه والحقول، ثم ماء وغذاء إلى بيوت العراقيين!
6 ملايين متر مكعب من القذارة
المشكلة ليست في رقم ضخم يصلح لعنوان صحفي فحسب، بل في طبيعة ما تحمله هذه المياه، فبحسب المعطيات الواردة، لا يستقبل دجلة والفرات مياه صرف منزلية فقط، وإنما مزيجاً من الصرف الصحي والمخلفات الطبية والصناعية ومخلفات مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء، بما قد تحمله من ملوثات جرثومية ومواد كيميائية ومعادن ثقيلة، والأخطر أن محطات معالجة مياه الشرب لم تنشأ أساساً للتعامل مع هذا الخليط.
عضو لجنة الصحة النيابية غيث شبع يقول إن نتائج عينات مياه الإسالة التي يفترض أنها صالحة للشرب أظهرت مستويات مرتفعة جداً من التلوث، متحدثاً عن نسب فشل وصلت، وفق البيانات التي اطلعت عليها اللجنة، إلى 100 في المئة في ميسان، و99 في المئة في المثنى، و97 في المئة في البصرة.
دجلة يتحول إلى مصرف
ففي بغداد وحدها، عثرت لجنة نيابية لرصد تلوث دجلة في نيسان الماضي على 24 منفذاً ومصباً ملوثاً، تشمل مخلفات المجاري والمستشفيات والمصافي ومحطات الكهرباء.
وبعد أسابيع، وُثقت أنابيب للصرف الصحي وهي تفرغ محتوياتها مباشرة في دجلة قرب جسر الأحرار وسط العاصمة، مع وجود منافذ أخرى على امتداد النهر.
ثم جاءت أرقام مرصد (العراق الأخضر) لتزيد الصورة قتامة، متحدثة عن نحو 500 مصدر تلوث دائم على امتداد دجلة، بينها 23 بؤرة حادة داخل بغداد.
أي أن النهر الذي قامت على ضفتيه بغداد، والذي ظل العراقيون قروناً يكتبون عنه الشعر، أصبح في أجزاء من مساره مطالباً بأداء وظيفة إضافية لم تكن في حسبان أبي نواس، في أن يكون نهراً ومصرف مجارٍ في الوقت نفسه.
المشكلة تصل إلى صحن الطعام
لكن الحكاية لا تنتهي عند كأس الماء، فخبيرة التلوث البيئي إقبال لطيف جابر تحذر من وجود معادن ثقيلة في عينات أخذتها من عدد من الأنهار والمناطق، بينها الزئبق والرصاص والكادميوم والكروم والنيكل والنحاس، وهنا تبدأ الحلقة التي ينبغي أن تقلق العراقي حتى إن كان لا يشرب ماء الحنفية أصلاً.
فالمياه الملوثة المستخدمة في الري يمكن أن تنقل بعض الملوثات إلى التربة، وتمتص النباتات بعضها عبر الجذور، قبل أن تدخل السلسلة الغذائية، وبمعنى أكثر مباشرة، يمكنك شراء الماء المعبأ هرباً من النهر، لكنك لا تستطيع شراء كل حبة طماطم وخيارة وخسة وهي تحمل شهادة ميلاد للماء الذي سُقيت به.
والمجاري، في هذه الحالة، لا تحتاج إلى دخول المنزل عبر الحنفية.. بل تدخل إليه داخل كيس الخضار.
ماء لا يصلح لأن يكون ماءً
وفي البصرة، كشفت تقارير رقابية عن عدم مطابقة المياه خلال الفترة 2021–2024 للمواصفة العراقية لمياه الشرب بسبب ارتفاع الأملاح الذائبة الكلية، بينما أظهرت عينات مأخوذة من منازل وجود تلوث جرثومي في بعضها.
وتتضاعف المشكلة مع تقادم مشاريع تصفية المياه، إذ تجاوز العمر التشغيلي للعديد منها ربع قرن، في بلد تتغير فيه نوعية المياه وتتراجع مناسيب الأنهار وتزداد تراكيز الملوثات كلما قلت كميات المياه المتدفقة.
من المسؤول؟
ليس التلوث كارثة طبيعية هبطت على العراق من السماء، فهناك أنبوب صُرف إلى النهر، ومؤسسة سمحت له بالبقاء، وجهة لم تعالجه، ومصنع طرح مخلفاته، ومستشفى تخلص من نفاياته، ومشروع معالجة لم ينجز أو تعطل، ورقابة شاهدت أو كان يفترض أن تشاهد، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو دفن القضية تحت جبل جديد من اللجان والاجتماعات والمخاطبات الرسمية.
فالخبير في السياسات المائية رمضان حمزة يقول إن الحلول الفنية موجودة، وإن المشكلة الأساسية تكمن في التنفيذ والرقابة والاستدامة، داعياً إلى منع التلوث من مصدره، وتوسيع معالجة مياه الصرف، وتأهيل شبكات مياه الشرب، وإجراء فحوص متواصلة من المصدر حتى وصول الماء إلى المستهلك، فضلاً عن تطبيق مبدأ (الملوث يدفع).
لكن العراقي يدفع بالفعل... يدفع ثمن الماء المعبأ، ويدفع ثمن شبكات التصفية المنزلية، ويدفع من صحته، ويدفع من نهره.
القضية، بعد كل هذه الأرقام، لم تعد قصة نهر ملوث، إنها قصة ما يدخل أجساد ملايين العراقيين، فما يرمى في دجلة والفرات اليوم… يعود إلينا غداً في الكأس والصحن.