يشعر الهنود بغضب متزايد من الطريقة التي يتعامل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع باكستان، بما يرونه مرونة واحتراماً مفرطين. فالرئيس الأميركي نسف بصورة منهجية جهوداً استمرت خمسة وعشرين عاماً لبناء شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة والهند.
فبدلاً من محاسبة باكستان على إيواء أسامة بن لادن، ودعم حركة طالبان، وانتهاج سياسات مزدوجة أحرجت الولايات المتحدة مراراً، اختار ترامب تكريم المشير عاصم منير، الداعم الصريح للإرهاب، والذي تلطخت يداه بدماء أميركيين وهنود.
ومنح ترامب لإسلام آباد دور الوسيط في ملفات الحرب والسلام أعاد لباكستان أهمية استثنائية. ففي ولايته الأولى كان يهاجم باكستان ويتحدث عن “الأكاذيب والخداع”، أما اليوم فهو يصف الباكستانيين بأنهم “أناس أذكياء للغاية”، بل وصف باكستان بأنها “رائعة”، بعد أن همّش أدوار وسطاء تقليديين مثل قطر وعُمان.
ويبدو أن المسؤولين الباكستانيين يعتقدون أن بإمكانهم تحويل هذا الدور إلى مكسب استراتيجي دائم. وربما يتوقعون أن يوافق ترامب على تزويدهم بتقنيات عسكرية تقلص الفجوة النوعية والعددية مع الهند، أو ربما يظن المشير منير أنه قادر على دفع ترامب للتدخل لصالح باكستان في ملف كشمير.
وكان حديث ترامب السابق عن “الصراع الممتد منذ ألف عام” بين الهند وباكستان حول كشمير كافياً لإظهار جهله بتاريخ المنطقة. لكن القيادة الباكستانية تبدو واقعة في الخطأ نفسه، حين تتصور أنها قادرة على استغلال هذا الجهل الأميركي لتحقيق مكاسب طويلة الأمد، متجاهلة التاريخ الحقيقي للعلاقة بين واشنطن وإسلام آباد.
لطالما اشتكى الباكستانيون من أن الولايات المتحدة “صديق مصلحة”. فعندما تحتاج واشنطن إلى باكستان، تعاملها بلطف شديد، لكنها تتخلى عنها فور انتهاء الحاجة إليها. والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تنظر يوماً إلى باكستان باعتبارها شريكها الأول، بل كانت خياراً بديلاً بعد فشل محاولات استقطاب الهند خلال الحرب الباردة.
فالرئيس الأميركي هاري ترومان كان يطمح لبناء تحالف مع الهند، ودعا رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو إلى واشنطن مباشرة بعد الاستقلال، فيما انتظرت باكستان قرابة عام قبل أن يتلقى رئيس وزرائها لياقت علي خان دعوة مماثلة.
وكانت العلاقة الأميركية – الباكستانية خلال الحرب الباردة تخفي اختلافاً جذرياً في الأهداف. فالولايات المتحدة سعت إلى احتواء التمدد السوفيتي، بينما انصب تركيز باكستان بالكامل على مواجهة الهند.
وامتلك المسؤولون الباكستانيون موهبة خاصة في إشعال الحروب مع الهند، ثم إقناع أنفسهم وشعبهم لاحقاً بأنهم كانوا الضحية منذ البداية. لكن رؤساء أميركيين مثل ليندون جونسون وريتشارد نيكسون لم يقتنعوا بهذه الرواية، ولذلك لم تستجب واشنطن لمطالب إسلام آباد بالتدخل العسكري ضد الهند.
وباختصار، فإن باكستان، إذا ما نُظر إليها بموضوعية، تبدو دولة مارقة. فرغم تحالفها الظاهري مع الولايات المتحدة، فرضت واشنطن عليها عقوبات مرات عدة خلال العقود الخمسة الماضية بسبب برنامجها النووي السري وسياساتها الأمنية.
ففي عام 1976، حُظرت معظم مبيعات السلاح الأميركية إلى باكستان بموجب “تعديل سيمينغتون”، ثم جاءت عقوبات إضافية لاحقاً بسبب الأنشطة النووية الباكستانية. ورغم أن الرئيس رونالد ريغان علّق بعض العقوبات لدعم المجاهدين الأفغان ضد السوفييت، فإن واشنطن أعادت فرضها بعد انتهاء الحرب وانسحاب موسكو من أفغانستان.
كما رفعت الولايات المتحدة العقوبات مجدداً بعد تعاون باكستان مع إدارة جورج بوش عقب هجمات 11 سبتمبر، لكن أهمية باكستان تراجعت مرة أخرى بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.
وهنا يكمن الدرس الذي فشل عاصم منير في استيعابه. فقد يعتقد أنه قادر على إطالة الأهمية الاستراتيجية لبلاده عبر التقرب من ترامب أو استغلاله سياسياً، لكنه يتجاهل حقيقة ثابتة: واشنطن تستخدم باكستان حين تحتاجها، ثم تبتعد عنها فور انتهاء المهمة.
ومن منظور أميركي بحت، لا تبدو باكستان شريكاً دائماً، بل أداة مؤقتة يجري استخدامها ثم التخلي عنها. وعاصم منير ليس سوى الحلقة الأحدث في هذا المسار الطويل.
ومع اقتراب نهاية ولاية ترامب، فإن أي إدارة أميركية مقبلة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، ستتفق غالباً على أمر واحد: لا يمكن الوثوق بباكستان، ولن تشعر واشنطن بأي التزام تجاه الوعود التي قدمها ترامب لعاصم منير.
وقد تعتقد باكستان اليوم أنها تخدع ترامب، لكن الحقيقة قد تكون معاكسة تماماً.