تعكس الانتقادات التركية المستمرة لإطار التعاون الثلاثي بين اليونان وقبرص وإسرائيل صراعاً متواصلاً حول من يملك القدرة على رسم معادلات شرق البحر المتوسط.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة، التي وصف فيها هذا التحالف بأنه جزء من محاولة “لتطويق” تركيا، وأنه يجلب “مزيداً من انعدام الأمن والمشكلات والحروب”، لتعبر عن الموقف التركي الأوسع تجاه هذا التكتل. فالمسألة لا تتعلق بتصريح عابر، بل باعتراض تركي متواصل على التحالفات الإقليمية التي تحد من نفوذ أنقرة.
وخلال العقد الماضي، تطور التعاون الثلاثي بين اليونان وقبرص وإسرائيل ليصبح منصة تجمع بين التنسيق الأمني والتقارب السياسي. وبالنسبة لأثينا ونيقوسيا، يشكل هذا الإطار أحد أعمدة الاستقرار والردع في المنطقة. أما بالنسبة لتركيا، فإنه يمثل اصطفافاً إقليمياً يقيد نفوذها ويعزز موقع إسرائيل في منطقة تسعى أنقرة أيضاً للعب دور مركزي فيها.
وفي جوهر الخلاف يكمن قلق أعمق لدى أنقرة، لا يتعلق فقط بوجود تعاون بين هذه الأطراف، بل بظهور بنية إقليمية تحد من الدور التركي ونفوذه. وهذا ما يفسر معارضة تركيا ليس لبعض السياسات فحسب، بل للإطار بأكمله.
ويكشف تطور هذا التحالف سبب اعتبار أنقرة له تحدياً مباشراً. فقد كان ملف الطاقة هو الأساس الأول للتقارب، لكن الإطار توسع لاحقاً ليشمل مجالات الدفاع والتنسيق الأمني.
وشهد التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل توسعاً في المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق في أمن الملاحة البحرية، ما عزز قابلية العمل المشترك بين هذه الدول وأسهم في بناء بيئة أمنية أكثر تنظيماً في شرق المتوسط.
وبالنسبة لتركيا، فإن هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل التحالف من مجرد تفاهم سياسي واقتصادي قائم على الطاقة إلى إطار يحمل أبعاداً عسكرية واستراتيجية واضحة.
كما يتقاطع هذا القلق مع تصاعد التنافس بين تركيا وإسرائيل. فقد ازدادت التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع التطورات المرتبطة بإيران والجبهة الشمالية لإسرائيل، وهو ما رفع القيمة الاستراتيجية للتحالفات الإقليمية، ومنها التحالف القائم بين اليونان وقبرص وإسرائيل.
وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى تحدي إطار تعتبره داعماً لمكانة إسرائيل، ومثبتاً لاستقرار خصومها، ومقيداً لهامش حركتها الإقليمي. وبالتالي، لم يعد هذا التحالف مجرد جزء من توازن إقليمي تعترض عليه تركيا، بل أصبح أيضاً إحدى الساحات التي يظهر فيها التنافس التركي – الإسرائيلي بشكل مباشر.
ولا يقتصر هذا التنافس على الجوانب الجيوسياسية، بل يمتد إلى طبيعة النظام الإقليمي نفسه. فالصراع يعكس مواجهة بين نموذجين مختلفين لترتيب المنطقة.
النموذج الأول، الذي يمثله التحالف الثلاثي، يقوم على التعاون بين دول متحالفة ومدعومة من شركاء غربيين، ضمن أطر سياسية وأمنية مستقرة. أما النموذج الآخر، الذي تدفع به تركيا، فيعتمد على ترتيبات أكثر مرونة تقوم على الشراكات المتغيرة والانخراط الثنائي، بما يمنح أنقرة مساحة أوسع للمناورة.
وجاء الرد التركي معبراً عن هذا الرفض، إذ انتقدت أنقرة التحالف الثلاثي، بالتوازي مع سعيها لبناء ترتيباتها الخاصة، من خلال اتفاقيات بحرية، ومشاريع تنقيب عن الطاقة، ومحاولات تطبيع العلاقات مع أطراف إقليمية مختلفة.
ويكشف هذا النهج المزدوج الطبيعة المتحركة للتحالفات في المنطقة، حيث يتعايش التنافس والانفتاح السياسي في الوقت نفسه.
كما يضيف الدور الأميركي بعداً إضافياً لهذا المشهد، إذ تطور الإطار الثلاثي ليأخذ صيغة “3+1” بمشاركة الولايات المتحدة، ما ربطه بالاستراتيجية الغربية الأوسع في شرق المتوسط.
وهذا يضع واشنطن أمام خيار استراتيجي واضح. فالولايات المتحدة تسعى للحفاظ على مرونة حركتها في شرق المتوسط، لكن ليست كل الشراكات الإقليمية توفر المستوى نفسه من الموثوقية.
وفي هذا السياق، يوفر التعاون مع اليونان وقبرص وإسرائيل قاعدة أكثر استقراراً للتنسيق طويل الأمد، تقوم على مصالح مشتركة، واصطفاف مؤسساتي، وسلوك سياسي أكثر قابلية للتوقع.
ولا يعني ذلك تراجع أهمية تركيا كحليف داخل حلف شمال الأطلسي، لكنه يفرض تمييزاً متزايداً بين العضوية الرسمية في التحالفات العسكرية وبين مستوى الاعتمادية العملياتية والسياسية.
ومع تصاعد التنافس الإقليمي، ستعتمد الاستراتيجية الأميركية بدرجة أقل على محاولة موازنة جميع الأطراف بالتساوي، وبدرجة أكبر على تعزيز الشراكات القادرة على توفير تعاون مستقر ومستدام بمرور الوقت، إذ لا تسهم جميع الأطراف بالقدر نفسه في استقرار المنطقة.
وفي هذا الإطار، تعكس تصريحات هاكان فيدان محاولة للطعن في شكل النظام الإقليمي نفسه. فالقضية لم تعد تتعلق بما إذا كانت هذه التحالفات ستستمر، بل بأي نموذج إقليمي سيحدد مستقبل شرق البحر المتوسط.