في الدول الخارجة من الحروب، لا تكون معركة إعادة بناء الإعلام أقل أهمية من إعادة بناء الجيش أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة الأخرى، لأن الإعلام في لحظات التحول الكبرى، لا يتحول فقط إلى وسيلة لنقل الأخبار، بل إلى أداة لإعادة تعريف صورة الدولة، وصياغة وعي المجتمع، وترميم العلاقة المكسورة بين السلطة والرأي العام.
ومن هنا، يمكن قراءة قرار الرئيس السوري أحمد الشرع بتعيين الدكتور خالد فواز زعرور وزيراً للإعلام، فالمسألة لا تبدو مجرد تبديل إداري داخل مؤسسة حكومية، بقدر ما تدل على إشارة مختلفة عن شكل المرحلة المقبلة، وعن طبيعة العقل الذي تريد دمشق أن تدير به خطابها السياسي والإعلامي بعد سنوات الحرب الطويلة.
وما يلفت الانتباه في شخصية الوزير الجديد، أنه ينتمي إلى جيل مختلف عن البيروقراطية الإعلامية التقليدية التي حكمت المشهد العربي لعقود، فهو من جيل تشكل وعيه داخل عالم الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحولات الاتصال الحديثة، وليس فقط داخل غرف الأخبار الكلاسيكية أو الخطابات الجامدة التي لم تعد قادرة على مخاطبة العالم الجديد.
وخلال تجربته الأكاديمية والإدارية، عرف زعرور بهدوئه المهني، وابتعاده عن الضجيج، وتركيزه على بناء المؤسسات والشراكات، وهي صفات تحتاجها أي دولة تحاول الانتقال من منطق التعبئة والحرب، إلى منطق الدولة المستقرة القادرة على إنتاج خطاب أكثر عقلانية وانفتاحاً، كما أن انخراطه في تطوير المناهج الإعلامية وتأهيل الطلاب والخريجين، يعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن الإعلام الحديث لم يعد مجرد كاميرا ومذيع ونشرة أخبار، بل صناعة معرفة وتأثير وصورة ذهنية متكاملة.
سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إعلام يدافع عنها، بل إلى إعلام وطني يعيد تقديمها للعالم وللسوريين أنفسهم بصورة مختلفة.. إعلام قادر على استعادة الثقة، ومخاطبة الأجيال الجديدة، وفهم التحولات الرقمية الهائلة التي أعادت تشكيل الرأي العام العالمي خلال السنوات الأخيرة.
ولذلك، فإن اختيار الدكتور خالد فواز زعرور يعد مؤشراً على أن دمشق تدرك أن معارك المستقبل لن تحسم فقط بالسلاح والسياسة، بل أيضاً باللغة والصورة والرواية والقدرة على بناء خطاب حديث، يليق بدولة تحاول الخروج من واحدة من أعقد الحروب في تاريخ المنطقة.