النائب حسنين الخفاجي متهم بطلب 40% من مشروع سكني ونصف مليون دولار! كتائب حزب الله تهدد بإشعال العراق إذا دخلت أميركا الحرب مصادر نيابية لـ سدن: واشنطن أبلغت المالكي بوضوح: لا تعطيل لحكومة الزيدي ولا تراجع عن ملف السلاح الملك عبدﷲ الثاني يؤكد دعم العراق والحلبوسي يعيد طرح أنبوب العقبة بوصفه خياراً استراتيجياً الزيدي للفصائل: أمريكا لن ترحمكم.. ومن يدخل الحرب سيتحمل مصيره وحده زلزال يهز جهاز الأمن الوطني.. سقوط مسؤولين كبار بملفات فساد وتجسس تهز بغداد نفط العراق عبر سوريا.. المشرق يعيد رسم خرائط الطاقة
مآل

نظام الخرافات

د. ماجد الصمادي
10 مايو 2026
نظام الخرافات

قد يكون (نظام الخرافات) أبسط نظام يمكن أن يبتدعه أي جاهل أو نصاب، أو مريض، يبحث عن سلطة معنوية يفرض بها نفسه على الآخرين. فهو لا يحتاج إلى معرفة حقيقية، ولا إلى منهج علمي، ولا حتى إلى قدرٍ أدنى من المسؤولية الأخلاقية؛ فقط يكفيه أن يمتلك صوتا عاليا مدعوما ببعض الاستشهادات والنصوص الدينية، وقليلا من الثقة، وجمهورا مستعدا للتصديق.

لقد كشفت الأزمات الاخيرة المتلاحقة، الصحية منها والاجتماعية، أن جزء واسعا من العقل العربي ما يزال عقلا غير علمي، لا يقوم على البرهان والتثبت والتحقق، بل على الانفعال والتلقّي السريع والشائعات.

فكلمة واحدة قد تكون كافية لدفع مريض إلى ترك دوائه، أو التخلّي عن بروتوكوله العلاجي، فقط لأن شخصا ما تحدّث بثقة، أو ارتدى ثوب الواعظ، أو قدّم نفسه بوصفه صاحب كشف الحقيقة الغائبة.

الخرافة أكثر إقناعا من الحقيقة، و الجهل أكثر انتشارا من المعرفة، لأن المعرفة تحتاج إلى جهد، بينما تحتاج الخرافة إلى استعداد ورغبة في تصديق ما يريح النفس، حتى لو كان مدمرا للعقل والجسد معا.

المتلازمة الاخطر انتشار الجهل مع إقحام النصوص المقدسة واستحضارها في غير موضعها وسياقها، وتوظيفها لخدمة أفكار لا تستند إلى منطق أو موضوعية أو علم. فبدل أن تكون النصوص مصدرًا للقيم والمعنى والهداية الأخلاقية، تُستخدم كأدوات لتبرير الوهم، أو لإضفاء قداسة على وصفة مبنية على رأي شخصي أو ادعاء عبثي، فيتحول الدين من فضاء للتفكير والتأمل إلى درع يحتمي به الدجالون.

نظام الخرافات باق، لان البيئة تسمح له بالانتشار. فالضحايا كثر، والضحية واحدة في جوهرها: إنسان مستعد لأن يكون فريسة لأي دجل أو شعوذة أو جنون، ما دام ذلك يقدَّم له بلغة اليقين، أو مغلفا بالعاطفة والخوف والقداسة.

الفكرة الرئيسية لهذا النظام بسيطة للغاية:

كلما ضعفت القدرة على التفكير النقدي، ازداد نفوذ الخرافة.

وكلما غاب العقل العلمي، حضر ( الضياء) الوهمي الذي يبيع الناس أوهاما على أنها خلاص.

إن المجتمعات التي لا تعلّم أبناءها السؤال، ولا تدربهم على الشك المنهجي والتحقق، تفتح الباب واسعًا أمام أي خطاب عبثي كي يتحول إلى حقيقة شعبية. وحين يصبح التصديق فضيلة، والتشكيك جريمة، يفقد المجتمع مناعته العقلية، ويصبح قابلًا لإن يكون الضحية ذاتها مرة بعد أخرى.

الازمة أزمة وعي، فالشهادات والالقاب ما اكثرها، صحيحها ومزيفها ومكذوبها. لكن العلم ليس مجرد نتائج أو شهادات، بل طريقة تفكير تقوم على الدليل، وعلى الاعتراف بإمكانية الخطأ، وعلى اختبار الأفكار قبل تحويلها إلى يقين. أما نظام الخرافات، فيقوم على العكس تمامًا: على الادعاء، والتضليل، واستغلال خوف الناس وحاجتهم إلى الأمل.

لذلك مقاومة الخرافة تكون ببناء عقل نقدي، وتعليم حقيقي، وإعلام مسؤول، وثقافة تحترم السؤال أكثر مما تمجّد التسليم الأعمى. لأن المعركة في النهاية ليست بين معلومة صحيحة وأخرى خاطئة فقط، بل بين عقل يريد أن يفهم، وعقل تعوّد أن يسلم فيصدق.

شارك المقال f 𝕏 in