في العراق، لا تنكشف الفضائح عادة بانفجار مدو، بل بتسريب صغير.. ثم تتدحرج الحقيقة ببطء، حتى تكتشف الدولة أن ما كانت تعتبره (شائعة) أصبح أخطر من أن ينفى، وأكبر من أن يشرح.
هكذا يبدو اليوم ما كشفته التقارير الأميركية ووكالة الصحافة الفرنسية عن استخدام موقع سري في صحراء النجف كمركز لوجستي إسرائيلي خلال الحرب مع إيران.
فنحن هنا لا نتحدث عن حادثة أمنية، ولا عن اختراق استخباري، بل عن تحول استراتيجي بالغ الخطورة، لأن معنى ذلك ببساطة، أن جزءاً من الأراضي العراقية استخدم في حرب إقليمية كبرى، بينما لم يكن العراقيون يعرفون ما الذي يجري على أرضهم.
إنها ليست فضيحة سياسية فقط، بل لحظة انهيار كاملة لفكرة "السيادة" بالشكل الذي ظلت الطبقة السياسية الحاكمة تبيعه للعراقيين منذ سنوات.
لكن المفارقة الأكثر سخرية.. وربما الأكثر قسوة، ليست مجرد وجود قاعدة إسرائيلية أو فرق خاصة أو تجهيزات عسكرية، بل أن كل ذلك جرى في النجف تحديداً.
النجف "الشيعية".. التي يفترض أنها واحدة من أكثر مدن العالم حساسية تجاه إسرائيل، تتحول إلى منصة لوجستية في حرب ضد طهران "الشيعية"!
أي مشهد أكثر عبثية من هذا؟
هنا لا تعود القضية ملفاً أمنياً فقط، بل تتحول إلى صدمة جيوسياسية وأخلاقية كاملة.
دولة لا تعرف ما الذي يجري في صحاريها، أو تعرف ولا تستطيع الاعتراف.. أو تعرف ولا تستطيع المنع.
وفي الحالتين، نحن أمام سؤال مرعب أكثر من القصة نفسها: كم قاعدة أجنبية أخرى قد تكون موجودة على الأرض العراقية لا تعرف الحكومة عنها؟