بعد تصريح دونالد ترمب الأخير الذي وصف فيه الرد الإيراني بأنه "غير مقبول بتاتاً"، انهارت القواعد التقليدية للمواجهة في الشرق الأوسط. إذ كما يبدو، لم يكن الرفض الأميركي نابعاً من ضعف في الرد الإيراني، بل من إدراك استراتيجي بأن طهران عملياً تسعى إلى "رقمنة الصراع" والهرب من الميدان التقليدي الذي تتفوق فيه واشنطن نوعياً. ومن الواضح أن المفاوضات الإيرانية - الأميركية اليوم لم تعد تدار عبر الأروقة الدبلوماسية، بل عبر مسارات ناقلات النفط في مضيق هرمز، وبرسائل متبادلة تمر عبر بكين.
تتحرك إيران حالياً في الفلك الصيني بتبعية غير مسبوقة، مراهنة بثقلها الاستراتيجي على بعض التحركات، ومنها زيارة ترمب للصين المقررة في اليومين المقبلين، إذ تأمل القيادة في طهران في أن تمارس بكين ضغوطاً مباشرة لتخفيف الحصار البحري في مقابل وعود بفتح المضيق تدريجاً. وتعتمد طهران في هذا المسار على قناعة بأن الصين لن تسمح بسقوط النظام، نظراً إلى مصالحها الحيوية في أمن الطاقة أقلها إنها تتمسك بهذا الرهان كحبل نجاة أخير. المشهد الحالي يمكن اختصاره في أن إيران تحاول "بيع الوقت" عبر مناورات التفاوض المستمرة، بينما يحاول ترمب "شراء الاستسلام" عبر تضييق الخناق الاقتصادي والعسكري على إيران لانتزاع تنازلات كبرى، يدفع بها لأن تكون تنازلات غير مسبوقة في تاريخ طهران. وحتى تتشكل نتائج هذه المقايضة، ستواصل طهران سياسة الاستنزاف الرقمي والميداني كأداة لفرض حضورها على طاولة القرار الدولي.
هذه القطيعة الدبلوماسية مع واشنطن واللجوء المباشر للمظلة الصينية والرهان عليها، يعكسان أزمة عميقة في تكوين السلطة الإيرانية، إذ المشهد السياسي الداخلي يفرز اليوم واقعاً يوصف بـ"حكومة غائبة الرأس يديرها جهاز عسكري". فخلال الساعات الـ48 الماضية، ظهر تباين حاد في حركة مركز القرار داخل النظام الإيراني، فبينما يقود عباس عراقجي دبلوماسية تفاهمات تحدث تحت الطاولة بصورة مكثفة لتسويق الرؤية الإيرانية دولياً، يدير مجتبى خامنئي في الوقت ذاته المشهد في الظل، وسط تعتيم مقصود يعكس حجم التوتر داخل النظام.
في ظل هذا المشهد، يسيطر الحرس الثوري على مساحة القرار السيادي ويدير شؤون الدولة، ويحتكر توجيه القرارات والسياسات الكبرى في طهران. ويبدو أن سيطرة المؤسسة العسكرية تنهي فعلياً السردية الكلاسيكية للجمهورية الإيرانية، إذ يفتح ترمب ببراغماتيته المعهودة مساراً أمام النخبة العسكرية الحاكمة لعقد صفقة تسوية تتجاوز المؤسسة الدينية التقليدية، التي يبدو أن أحدها هو إسقاط العمامة بكل منظومتها. ويكمن التحول الأخطر هنا في التساؤل حول مدى استعداد القيادة العسكرية لتجاوز مبدأ ولاية الفقيه وإسقاط "العمامة"، لضمان بقاء مؤسسات الدولة الإيرانية. المؤشرات الحالية بدءاً من تراجع الخطاب الأيديولوجي وصولاً إلى الرهان المطلق على التحركات العسكرية الدقيقة، تدل على انتقال فعلي نحو "دولة عسكرية قومية"، تتخلى تدريجاً عن واجهتها الدينية لضمان استمراريتها في بيئة دولية تحكمها القوة والمصالح.