لندن - سدن
بينما كانت الحكومات الغربية تعلن العقوبات وتناقش شحنات الأسلحة، كانت هناك محاولة مختلفة للتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قادها أشخاص لا يحملون مناصب دبلوماسية رسمية، لكنهم يمتلكون علاقات تسمح لهم بالوصول إلى دوائر يصعب على المسؤولين الغربيين مخاطبتها مباشرة.
وكشف تحقيق نشرته صحيفة (فايننشال تايمز)، اليوم، عن تفاصيل محاولة غير رسمية للتوسط بين موسكو وواشنطن خلال الأشهر الأولى من الحرب الروسية على أوكرانيا، وتضم الشخصيات الرئيسية في التقرير، المحامي الأميركي ريتشارد كون، والمصرفي الاستثماري بوب فورسمان، وماتياس فارنيغ، الضابط السابق في جهاز أمن ألمانيا الشرقية والصديق القديم لبوتين.
وتعود بداية التحرك - بحسب التقرير - إلى أكتوبر 2022، عندما تصاعد القلق الغربي من احتمال استخدام روسيا سلاحاً نووياً تكتيكياً، في ظل الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها قواتها، وكان الهدف الأول للمجموعة محدوداً: نقل رسائل تهدئة إلى موسكو، والتأكيد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تدمير روسيا أو تغيير نظامها بالقوة.
وتقول الرواية التي عرضتها الصحيفة، إن فارنيغ نقل رسائل إلى الجانب الروسي، ثم عاد بانطباعات تشير إلى استعداد بوتين للنظر في مسار تفاوضي.
وتطورت الاتصالات لاحقاً إلى أفكار لتسوية أوسع، تضمنت ترتيبات تتعلق بالأراضي والضمانات الأمنية لأوكرانيا ومستقبل علاقتها بحلف شمال الأطلسي، لكن هذه المقترحات اصطدمت بخلافات أساسية.
فالحكومة الأوكرانية لم تكن مستعدة لقبول تنازلات إقليمية، خصوصاً في مرحلة اعتقدت فيها أن استمرار العمليات العسكرية قد يسمح لها بتحسين موقعها التفاوضي، كما لم يكن واضحاً إلى أي مدى تعكس هذه القناة موقفاً رسمياً موحداً داخل الإدارة الأميركية.
وبحسب التقرير، انتهت المحاولة في فبراير 2023 وسط خلافات بشأن طبيعة التفويض الأميركي ومدى جدية الجانب الروسي.
وتكتسب القصة أهميتها من أنها تكشف إحدى مشكلات الدبلوماسية الخلفية، حيث يستطيع الوسطاء غير الرسميين فتح أبواب مغلقة، لكنهم لا يملكون بالضرورة صلاحية تقديم ضمانات أو تنفيذ الاتفاقات، كما أن استعداد طرف للاستماع إلى مقترح لا يعني استعداده لقبول شروطه النهائية.
ولا يقدم التحقيق دليلاً قاطعاً على أن اتفاق سلام كان متاحاً بالفعل في ذلك الوقت، أو أن رفض المقترحات تسبب في استمرار الحرب، وهذه تفسيرات محل خلاف بين المشاركين والمسؤولين الذين تناولت الصحيفة مواقفهم.
واللافت أن الملف عاد إلى الواجهة مع تحركات دبلوماسية جديدة خلال أكتوبر الجاري.
ففي 21 أكتوبر، نقل موقع (أكسيوس) عن مسؤولين أميركيين وروس أن بوتين أبلغ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف موافقته المبدئية على استئناف المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، لكن الموافقة على الاجتماع تختلف عن الموافقة على تسوية.
وتكشف القصتان، القديمة والجديدة، أن أحد أصعب جوانب التفاوض مع موسكو لا يتعلق فقط بفتح قناة اتصال، بل بمعرفة ما إذا كانت الرسائل المتبادلة تعبر عن استعداد حقيقي لتغيير المواقف.