واشنطن - سدن
من الصعب العثور على دولتين تكرران وصف علاقتهما بالأخوة كما تفعل تركيا وأذربيجان، لكن خلافاً بدأ بشأن الحجاب في المدارس كشف أن القرب اللغوي والثقافي والعسكري، لا يلغي التنافس على النفوذ أو الحساسية تجاه التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي تحليل نشرته مجلة (فورين بوليسي) بعددها الجديد، تناول الباحث سام هارشباغر أسباب التوتر بين أنقرة وباكو، معتبراً أن الخلاف الحالي يعكس اختلافاً أعمق في تصور كل طرف لطبيعة العلاقة بين البلدين.
بدأت الأزمة في 21 سبتمبر، عندما أقرت الحكومة الأذربيجانية قواعد أكثر تشدداً للزي المدرسي، أدت عملياً إلى منع الطالبات من ارتداء الحجاب داخل المدارس الحكومية.
وأثار تطبيق القرار احتجاجات محدودة داخل أذربيجان، ثم انتقادات من شخصيات مقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
وفي 12 أكتوبر، انتقد أوكتاي سارال، أحد كبار مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان، القرار، معتبراً أنه يحرم فتيات من التعليم بسبب لباسهن.
ورد حزب أذربيجان الجديدة الحاكم بالدفاع عن سيادة البلاد ورفض التدخل الخارجي في قراراتها.
لكن السجال لم يتوقف عند حرية ارتداء الحجاب.
فقد ظهرت في وسائل إعلام أذربيجانية مقربة من السلطة اتهامات تتعلق بمحاولات تركية للتأثير في السياسة الداخلية، ووصل بعضها إلى الحديث عن مؤامرات انقلابية، وهي اتهامات لم يثبت صحتها، وأدانتها السفارة التركية في باكو.
ويعيد ذلك إلى الذاكرة محاولة انقلاب شهدتها أذربيجان عام 1995، ارتبطت باتهامات بشأن تورط أفراد أتراك فيها، رغم أن الرئيس التركي آنذاك سليمان ديميريل ساعد في تحذير القيادة الأذربيجانية.
وتكشف هذه السابقة أن العلاقات الثنائية لم تكن دائماً خالية من التوتر، حتى قبل وصول أردوغان وإلهام علييف إلى السلطة.
ثم جاءت حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 لتمنح العلاقة بُعداً عسكرياً أكثر عمقاً، بعدما قدمت تركيا دعماً مهماً للقوات الأذربيجانية، لكن هذا الدعم نفسه أوجد خلافاً بشأن كيفية تقديم النصر وتوزيع الفضل السياسي والعسكري فيه.
وتبرز إسرائيل بوصفها عاملاً إضافياً.. فأذربيجان ترتبط بعلاقات دفاعية وأمنية وثيقة مع إسرائيل، بينما شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تدهوراً حاداً منذ حرب غزة.
كما تنظر باكو إلى النفوذ الديني الإيراني باعتباره تحدياً لأمنها وهويتها العلمانية، في حين تنطلق الانتقادات التركية لقرار الحجاب من تجربة سياسية داخلية مختلفة.
وقد حاول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تهدئة التوتر خلال زيارته باكو، مؤكداً أن الخلافات يمكن معالجتها بالحوار.
ولا توجد مؤشرات مؤكدة على انهيار التحالف العسكري أو الاقتصادي بين البلدين، لكن القضية تطرح سؤالاً يتجاوز الحجاب، مفاده هل تتعامل أنقرة مع أذربيجان بوصفها شريكاً مساوياً في السيادة، أم باعتبارها جزءاً من فضاء تركي أوسع ترى لنفسها فيه دوراً قيادياً؟
وهذا هو جوهر الخلاف الذي برز في الخطاب الأذربيجاني، أكثر من كونه مجرد نقاش حول الزي المدرسي.