قدّم الرئيس دونالد ترامب، خلال الحرب، مطالب متباينة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تراوحت بين الاستسلام غير المشروط والتوصل إلى اتفاق تفاوضي يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويعيد فتح مضيق هرمز. وحتى الآن، لم توافق إيران على أي منها.
ويعتقد الرئيس، كما تشير تقارير عدة، أن النظام الإيراني منقسم بشأن الاتفاق. ففي الماضي، كان المرشد الأعلى علي خامنئي يؤدي دور الحكم بين الأجنحة المتنافسة. أما اليوم، فإن غياب مرشد قوي شلّ قدرة إيران على اتخاذ القرار.
كان المثال الأبرز على ذلك المفاوضات النووية التي سبقت اتفاق عام 2015. فقد كان الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، ورئيس البرلمان حينها علي لاريجاني، يميلون إلى الدبلوماسية، بينما فضّلت أطراف أخرى داخل النظام نهجاً أكثر تصادمية. يومها، وقف خامنئي إلى جانب معسكر روحاني، ففتح الطريق أمام الاتفاق.
لكن الأمور تغيّرت لاحقاً. فبعد انتهاء ولايته وزيراً للخارجية، قال ظريف إنه كان يختلف مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني حول أولوية “الميدان أو الدبلوماسية”، وإن سليماني كان ينتصر دائماً. ومرة أخرى، كان خامنئي هو صاحب الكلمة الفاصلة.
وإذا صحت التقارير الحالية، فإن النظام منقسم من جديد. فرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، يفضلان التوصل إلى اتفاق، بينما يعارضه قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر. وقد ظهر الخلاف بين المعسكرين علناً حين تبادلت وسائل إعلام متشددة قريبة من الطرفين الهجوم بسبب مسار التسوية التفاوضية.
وهناك أربعة لاعبين آخرين يجب التوقف عندهم. فموقف رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي لا يزال غير واضح، لكنه يملك وزناً داخل النظام. كذلك لا يعرف موقف رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني، وهو السلف السابق لإيجئي في رئاسة القضاء. وبحسب تقرير لموقع إيران إنترناشيونال، حاول قاليباف وبزشكيان إبعاد وزير الخارجية عباس عراقجي، خشية أن يكون يعمل لمصلحة الجناح المعادي للدبلوماسية. كما تعتقد الاستخبارات الإسرائيلية أن هناك محاولة جرت لإبعاد قاليباف عن فريق التفاوض واستبداله بسعيد جليلي، المفاوض النووي السابق، وهو شخصية تحظى بشعبية داخل قاعدة النظام وتدعو إلى نهج المقاومة.
من الممكن أن يكون قاليباف راغباً فعلاً في اتفاق. فهو، أكثر من كونه أيديولوجياً، رجل فاسد. ومهما كانت المبادئ التي يرفعها، فإنه قد يتجاوزها من أجل المال والسلطة. وهو ليس وحده في ذلك. فقد كان الانقسام داخل الأجهزة الأمنية قائماً منذ مدة. فمعظم عناصر الحرس يهتمون بمعاناة الشعب الإيراني، لكن الأقلية المتشددة هي الأقوى والأكثر ثراءً.
هنا تكمن المشكلة. فإذا كان ترامب محقاً في اعتقاده بأن قاليباف ومعسكره يريدان إنهاء الحرب، فلا توجد آلية تمكّنهما من التغلب على خصومهما، ولا يوجد حكم أعلى ينحاز إليهما. وحتى إذا كان المرشد الأعلى مجتبى خامنئي على قيد الحياة، فإنه يخضع لرقابة مشددة، ولا يبدو أن قاليباف يملك وصولاً مباشراً إليه لعرض موقفه. وإذا كان مجتبى يريد الاتفاق، فمن غير الواضح أيضاً ما إذا كان الحرس الذي يدين له بموقعه سيسمح له بذلك.
يمكن لترامب أن يغيّر هذه المعادلة عبر استئناف الحرب. لكن بدلاً من استهداف القدرات الاستراتيجية الإيرانية، ينبغي للقوات الأميركية والإسرائيلية، بحسب طرح الكاتب، إزالة الشخصيات التي تعرقل الاتفاق، وفي مقدمتها وحيدي وذو القدر وجليلي. وبهذا المعنى، يمكن لترامب أن يتصرف كمرشد أعلى جديد، يحكم الخلافات داخل الجمهورية الإسلامية بالطائرات المسيّرة وصواريخ توماهوك.
يريد قاليباف أن تصدق واشنطن، عبر تسريبات مقصودة، أنه يحاول إنهاء الحرب دبلوماسياً. وفي أحد هذه التسريبات، قيل إنه وصف معارضي الدبلوماسية بأنهم “يريدون تدمير إيران”. ومن الممكن أن تكون هذه رسالة إلى الولايات المتحدة لإزاحتهم من طريقه.
يعتقد ترامب أن النظام منقسم. وعليه، وفق هذا المنطق، أن يفعل شيئاً إزاء ذلك. فاستنزاف مخزونات الذخيرة الأميركية يجعل الاستراتيجية السابقة غير حكيمة، إذ أنفقت الولايات المتحدة ما بين ربع ونصف ذخائرها الأساسية خلال 39 يوماً. أما الحصار، فسيحتاج وقتاً طويلاً حتى يؤتي ثماره، كما أن السياسة الداخلية الأميركية والاضطراب الاقتصادي قد يمنحان إيران قدرة على الصمود أطول مما تتوقع واشنطن.
لذلك، يبقى البديل المطروح هو تمكين ما يشبه الانقلاب الداخلي داخل النظام. فإذا حصل قاليباف على دعم عناصر من الحرس الثوري تؤمن بأن التغيير أصبح ضرورياً، فقد يستطيع فرض مساره. لكنه، مرة أخرى، سيحتاج إلى مساعدة عسكرية أميركية لإزاحة القوى الداخلية التي تسعى إلى إبعاده وإسقاط خيار التسوية.