قبل أكثر من ثلاثين سنة سألت صديقي فوزي رشيد (1931 ــ 2011) وهو عالم آثار عراقي "أين اختفى السومريون؟" قال لي بثقة "ذهبوا إلى الأهوار بعمائم سوداء حزنا على سقوط دولة أور الثالثة لذلك سُمي العراق بأرض السواد نسبة إلى لون عمائمهم" ولأني أعرف أن رشيد وهو قارئ مُجيد للكتابة المسمارية كان يقلقه ويفجعه في الوقت نفسه مصير السومريين فلم ألح في سؤاله عن مرحلة ما بعد النزوح إلى الأهوار. كان السومريون عائلته ولذلك لم أشأ التدخل في شؤونه العائلية. يتوقع البعض أن المعدان وهم سكان الأهوار الحاليون هم أحفاد السومريين. في العصر الحديث أخفى الكثيرون قلقهم من أن يلتحق البغداديون بالسومريين بعد أن تعرضت حياتهم لضربات قاسية كان من شأنها أن تمحو الجزء الأكبر من شخصيتهم. وإذا ما كان العراقيون قد انتصروا عام 1972 على أمية القراءة وهو إنجاز عظيم فإن شبح الأمية الثقافية ظل مهيمنا وله نفوذ قوي وبالأخص في الأوساط الحزبية التي شكل الوصول إلى السلطة عقدة وجودها. من المطلوب أن يكون العقائدي مقفل العقل والروح ولديه نفس قصير ومساحة صغيرة للمناورة بعدها يحل العنف وهو الخيار المثالي الذي اتسمت به التحولات السياسية في العراق عبر أكثر من ستين سنة من النفخ في بوق الجمهورية المتحررة من الإقطاع والاستعمار معا. وهي ليست جمهورية موز بل هي جمهورية باذنجان وطماطة وخيار وقمح ورز وكلها خضروات لم يكن يُنظر لزارعها باحترام. مجتمع ماكر، يأكل من غير أن يحترم اليد التي تقدم له ما يأكله باحترام. على الرغم من أن حكم البعث كان قد قضى على الأمية غير أن موقفه العصابي من حرية القراءة فرض على الحياة أمية من نوع أكثر خطورة. لقد كان منع الكتب يتم بمزاج شخصي لا علاقة لها بمعايير ثابتة.
حين تسممت حياة البغداديين بالبكاء
هل سمعتم بسلمان المنكوب؟ باختصار كان ذلك إسما لمطرب عراقي شهير ولد في ناحية المجر الكبير بالعمارة، جنوب العراق عام 1918 وتوفي في بغداد عام 2011. ليس مهما هنا البحث عن أسباب نكبته بقدر ما هو مهم أن أُذكر بأطنان الدموع التي جلبها سلمان معه إلى بغداد. لم يدخل الرجل دار الإذاعة العراقية ولم يظهر على شاشة التلفزيون غير أنه من خلال سوق الكاسيت في النصف الثاني من القرن العشرين تسلل بأغانيه إلى الفضاء العام. لم يستمع البغداديون إلى شيء من غنائه ولو استمعوا لأعتبروا ذلك عقوبة قاسية لا لأنهم لن يفهموا شيئا مما يقوله حسب بل وأيضا لأن الإيقاع البكائي الذي ميز أغانيه سيدمر مزاجهم الموسيقي الراقي.
في المقابل يمكنني أن استحضر حضيري ابو عزيز (1909 ــ 1973) الذي انتقل من الناصرية، جنوب العراق إلى بغداد وقد تخلى عن طابع غنائه الريفي وتبغدد وغنى "عمي يبياع الورد" و"سلم عليا بطرف عينه وحاجبه" و"عاين يا دكتور" وهو ما أهله للغناء براحة في بيروت. الرجل الذي جاء إلى بغداد بلباسه الريفي ارتدى الثياب الأوروبية وصار موقع اعجاب الفتيات اللواتي رأين فيه فتى رومانسيا قادما من بغداد. ذلك ما لم يكن في إمكان سلمان المثقل بنكبته أن يفعله. ليس بسبب سوء النية ولكن بسبب سوء الفهم سممت ظاهرة سلمان المنكوب ومن تبعه من مطربي الأرياف حياة البغداديين الذين صاروا يستمعون في سيارات النقل العام إلى أغاني النواح التي تنتقل بهم إلى أجواء المآتم. ضرب عصر الكاسيت بغداد في مقتل.
بين العاطفة والقسوة ضاعت البوصلة
يوم كان التلفزيون كل شيء كانت للعراقيين ثلاث نوافذ يطلون من خلالها على العالم. نافذة اسمها "عالم الفنون" لصاحبها نوري الراوي وأخرى اسمها "الرياضة في أسبوع" لصاحبها مؤيد البدري اما الثالثة فقد ارتبط صاحبها كامل الدباغ ب"العلم للجميع". فنون، رياضة وعلوم ثلاثة مجالات حيوية تعبر الشعوب من خلالها عن حيويتها وتُنفس من خلالها عن طاقتها الخلاقة. ماذا يريد العراقيون أكثر من ذلك في حياة غلب عليها التناحر الحزبي الذي أدى بهم إلى أن يذبح بعضهم بعضا فكانوا ممزقين بين عاطفة تصل إلى الجنون وقسوة عمياء. كانوا من خلال تلك النوافذ يتطلعون إلى إنسانيتهم التي صاروا يتحسسون تدهور أحوالها.
وبقدر ما كان الحراك الاقتصادي في سبعينات القرن الماضي قد خلق نوعا من التداخل والامتزاج بين الطبقات بقدر ما حقق الحراك الاجتماعي إنجازات عظيمة على مستوى التدفق الديمقراطي للمعلومات. وهو ما يعني أن الظروف سمحت للنجوم الثلاثة "الراوي الببدري والدباغ" أن يؤدوا أدوارهم التنويرية بكفاءة يُحسدون عليها. ولكن هل تحررت بغداد من عقدة التحزب التي مزقت المجتمع العراقي في مختلف فصول تاريخه الحديث؟ لا يمكن الحديث عن مجتمع مستقل يمكنه أن ينأى بنفسه عن منظومة الحكم التي تمسك بكل خيوط السلطة. وكما يبدو فإن المجالات الحيوية الثلاث كانت في طريقها إلى أن تفقد حرية حركتها بعد أن رغب أفراد في السلالة الحاكمة بأن بكتسبوا نوعا من النجومية من خلالها. وهو ما مهد لإختفاء البرامج التلفزيونية الثلاثة واحدا بعد الآخر. يومها حُرم البغداديون من لغتهم المشتركة في الفن والرياضة والعلم. لقد فقدت بغداد امتيازها في تعليم التحضر حين صار تلفزيونها منصة للغناء الرخيص، المبتذل الذي شوه معنى التسلية المريحة التي كان العراقيون يختبرون من خلالها إنسانيتهم.