فتحَ المُترجِمُ والإعلاميُّ العراقيُّ سعدونُ الجنابي نافذةً متميزةً بين رفوفِ مكتبة الكونجرس في الولاياتِ المتحدة، لتُضافَ عشراتُ المؤلفاتِ العراقيَّة والعربيَّة إلى رفوفِ هذه المكتبةِ الأفخمِ على مستوى العالم، التي تأسست في العام 1800، وتحتوي على ملايينِ الكتبِ بمئاتِ اللغات.
في البداية أرادَ الجنابي أن يُجرِّبَ إهداءَ كتابِه المتميِّزِ الذي تناولَ فيه تاريخَ ومعالمَ وعوالمَ شارعِ الرشيد، أهمِّ وأقدمِ شوارعِ العاصمةِ العراقيَّة، وبعدَ أن لاقى الترحيبَ من قبلِ الدكتورِ مهند صالحي، المسؤولِ عن كتبِ الشرقِ الأوسطِ في مكتبةِ الكونجرس، بدأت رحلتُه سفيرًا للثقافةِ في هذا الصرحِ المعرفيِّ الكبير. لم يتوقّفِ الصديقُ الجنابي عند كتبِه والمقرَّبينَ منه، بل سعى لإيصالِ خبرِ إهداءِ المؤلفاتِ لمكتبةِ الكونجرس للجميع؛ يكتبُ في حسابِه على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، ويتواصلُ مع الأصدقاء، وينشرُ أسماءَ الكتبِ والمؤلفين. وأخذَ المثقفونَ والكُتَّابُ يتداولون ما يعملُه خدمةً للثقافةِ والمثقفين، ويستمرُّ بتحديثِ معلوماتِ وصولِ الكتبِ إلى المكتبةِ تشجيعًا للآخرينَ للمشاركةِ في حملةِ رصفِ الكتبِ على رفوفِ هذا الصرحِ المعرفيِّ العريق.
تعرَّضَ الكثيرُ من النُّخبِ في العراقِ لكارثةِ الهجرةِ الجماعيَّة بعدَ العام 2003، ما تسبَّبَ بهزَّاتٍ حقيقيَّة في حياتِهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة. ومن خلالِ رصدِنا لمعارفِنا من الوسطِ الثقافي، فإنَّ الغالبيَّة العظمى منهم واصلوا الكتابةَ والنشر، كلٌّ حسبَ ما يتاحُ له من منابر، ولكنَّ المبادراتِ قليلةٌ كتلك التي بادرَ بها سعدونُ الجنابي، وإنضاجُه لها والتوسُّعُ بها، ما يؤكِّدُ قدرتَه على تحدِّي الصعابِ الكثيرةِ التي تواجهُ الجميع، ولمجرَّدِ أن وجدَ فرصةً للتوسُّعِ بهذا الأمر حتى شرعَ بقوةٍ لترسيخِ ذلك.
معروفٌ العددُ الكبيرُ من المبدعينَ العراقيينَ الذين غادروا العراقَ منذُ ما يزيدُ على عقدين، ويُفرحُنا إطلاقُ اسمِ سفيرِ الثقافةِ العراقيَّة على واحدٍ من فرسانِ الكلمة (سعدون الجنابي)، ويسعدُنا أكثرُ أن تزدادَ المبادراتُ الثقافيَّة والمعرفيَّة، على أملِ التوسُّعِ بالقائمةِ ليصبحَ لدينا سفراءُ للثقافةِ العراقيَّة، تضمُّ الذين يُبادرونَ لخدمةِ المثقفينَ والثقافةِ على مختلفِ الصعد. ويعرفُ الجميعُ أن لا حدودَ تقفُ بوجهِ الإبداعِ الحقيقي، وأن العقولَ يمكنُها صنعُ الأفكارِ التي من شأنِها تحريكُ الجامدِ وتفعيلُ الأعمالِ والتوسُّعُ بها.
وعندما نتحدَّثُ عن المُترجِمِ والكاتبِ سعدونِ الجنابي، لا بدَّ من التوقُّفِ عند آخرِ كتبِه، الذي صدرَ قبلَ عدةِ سنواتٍ عن شارعِ الرشيد، الذي يتوسَّطُ العاصمةَ العراقيَّة ويختصرُ نبضَها المعرفيَّ والثقافيَّ والاجتماعيَّ والسياسيَّ منذُ تأسيسِه قبلَ أكثرَ من قرن؛ حيثُ المقاهي التي تُعدُّ المُلتقى الثقافيَّ والأدبيَّ للعراقيين، وتَحفُّه أسواقُ بغدادَ العريقةُ والقشلة التي أسّسَها العثمانيون، وعلى بُعدِ عشراتِ الأمتارِ تُواصِلُ المويجاتُ الجريانَ في نهر دجلة.