أُبلغ العراق أن مشروع الربط الكهربائي مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي طال انتظاره، لن يدخل الخدمة في موعده المحدد، ما يترك بغداد أمام خيار أقل مع اقتراب ذروة الصيف. وكان من المفترض أن يبدأ المشروع العمل مطلع عام 2026، عبر المرحلة الأولى التي توفر 500 ميغاواط من الكهرباء من خلال شبكة الربط الخليجية. لكن هيئة الربط الكهربائي الخليجي أجّلت الموعد إلى نهاية أغسطس 2026 على الأقل، مع مؤشرات إلى احتمال تأجيل التشغيل الكامل إلى أواخر 2026 أو حتى 2027.
ويعكس هذا التأخير مشكلات إنشائية داخل العراق والكويت، وصعوبات في ميناء أم قصر، إضافة إلى تأثيرات القتال وحالة عدم الاستقرار في المناطق القريبة.
وتعاني شبكة الكهرباء العراقية من بنية تحتية ضعيفة، وقدرات نقل محدودة، ونقص في الوقود، وسنوات طويلة من ضعف الاستثمار. وتزداد هذه المشكلات حدة خلال الصيف، إذ يعتمد السكان والشركات بشكل كبير على أجهزة التكييف، بينما يرتفع الطلب بوتيرة أسرع من قدرة الشبكة على التزويد. ولم يكن الربط الخليجي كفيلاً بحل الأزمة بالكامل، لكنه كان سيمنح بغداد هامشاً مهماً وخياراً بديلاً عن الواردات الحساسة سياسياً.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة. ففي مطلع عام 2026، كان العراق ينتج نحو 29 غيغاواط من الكهرباء، بينما بلغ الطلب الاعتيادي قرابة 40 غيغاواط. وخلال الصيف قد يرتفع الطلب إلى ما بين 40 و55 غيغاواط أو أكثر. وتشير بعض التقديرات الرسمية إلى أن ذروة الحاجة قد تصل إلى 60 غيغاواط، فيما تأمل وزارة الكهرباء في إنتاج نحو 30 غيغاواط فقط. وحتى إذا تحقق هذا الهدف، فإن الفجوة ستبقى كبيرة. وستواجه محافظات عديدة انقطاعات مبرمجة، مع تأثر المناطق الفقيرة والشبكات المحلية الأضعف بصورة أكبر.
ولهذا تكتسب الـ500 ميغاواط المفقودة من مشروع الربط أهمية خاصة. فهي لن تغيّر واقع الشبكة بين ليلة وضحاها، لكنها كانت ستساعد خلال ساعات الذروة، أو عند تعطل المحطات، أو انقطاع الوقود. كما كانت ستمثل بداية عملية لدمج العراق في شبكة الكهرباء الخليجية، وتوفير مصدر إضافي لاستيراد الطاقة.
لكن التأخير يُبقي العراق عالقاً في التوازن الهش نفسه الذي يواجهه منذ سنوات: طلب متزايد، وإنتاج محلي محدود، وإمدادات وقود تعتمد بشكل كبير على إيران.
ويبقى الغاز الإيراني المشكلة الرئيسية لبغداد. فبموجب العقود، زوّدت إيران العراق بما يصل إلى 50 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتشغيل محطات تنتج جزءاً كبيراً من كهرباء البلاد. وغالباً ما كان الغاز الإيراني يدعم نحو ثلث إنتاج الكهرباء في العراق، بينما تضع بعض التقديرات النسبة بين 40 و43 بالمئة خلال فترات الذروة. وبالتالي، فإن هذه الإمدادات تؤثر مباشرة في ما إذا كانت الأسر العراقية ستحصل على الكهرباء أم ستواجه ساعات أطول من الانقطاع.
وأظهرت الاضطرابات الأخيرة مدى هشاشة المنظومة. فمنذ مطلع مايو 2026، تراوحت إمدادات الغاز الإيراني بين 15 و20 مليون متر مكعب يومياً، أي أقل بكثير من نحو 50 مليون متر مكعب يحتاجها العراق لتشغيل محطاته الغازية بشكل طبيعي. وفي وقت سابق من العام، هبطت الإمدادات إلى ما بين 5 و7 ملايين متر مكعب يومياً بعد تضرر البنية التحتية للطاقة بسبب الحرب، بما في ذلك ضربات استهدفت حقل جنوب فارس الإيراني.
وأدت هذه التخفيضات إلى فقدان ما بين 3000 و4500 ميغاواط من شبكة الكهرباء العراقية. وبالنسبة لدولة تعاني أصلاً من نقص في الطاقة، فإن هذه الخسارة تعني انقطاعات أطول، واعتماداً أكبر على المولدات الأهلية، وارتفاعاً في التكاليف على العائلات والشركات.
وهذه الأزمة ليست جديدة. فقد واجه العراق انقطاعات متكررة بسبب الديون غير المسددة، والعقوبات الأميركية، وعدم وضوح الإعفاءات، واحتياجات إيران الداخلية من الغاز، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. وفي السنوات السابقة، ساعدت واردات الغاز والكهرباء من إيران بغداد على سد جزء من العجز المحلي، لكن هذه الواردات نفسها أصبحت اليوم مصدر انكشاف دائم أمام أي تأخير مالي أو أزمة دبلوماسية أو صدمة ناجمة عن النزاعات الإقليمية. فعندما تتراجع تدفقات الغاز، تخفض المحطات إنتاجها أو توقف بعض وحداتها، وتظهر آثار ذلك سريعاً على الشبكة.
ويمتلك العراق موارده الخاصة من الغاز، لكنه ما يزال يحرق جزءاً كبيراً منها بدلاً من استثماره. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن العراق أحرق نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز عام 2023، وهي كمية تكفي لدعم إنتاج كبير للكهرباء لو جرى استثمارها. لكن مشاريع التقاط الغاز تسير ببطء بسبب المشكلات التقنية وضعف التنسيق وتأخر التمويل وسوء الإدارة.
أما البدائل الأخرى، فلا تبدو قادرة على تقديم حلول فورية. فالحكومة دفعت مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال في خور الزبير إلى عام 2027، ما يترك بغداد مع خيارات محدودة جداً.
ويأتي هذا التأخير أيضاً في وقت تشهد فيه المنطقة حالة عدم استقرار أثّرت على سلاسل التوريد، وأعمال الموانئ، وجداول الإنشاء، وثقة المستثمرين. كما يعتمد العراق بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل الإنفاق العام وإجراءات الطوارئ الخاصة بالكهرباء. وأي اضطراب في الصادرات أو طرق الشحن أو الأسعار قد يقلص قدرة بغداد على دفع تكاليف الوقود، أو إصلاح البنية التحتية، أو تمويل حلول التوليد المؤقتة.
وسيظهر الثمن الاجتماعي للأزمة إذا ضعفت الشبكة خلال الصيف. فالانقطاعات الطويلة تجعل تبريد المنازل أكثر صعوبة، وتضر بالأعمال الصغيرة، وتعطل المستشفيات والعيادات، وتؤثر على ضخ المياه، وتزيد من غضب الشارع تجاه الحكومة. كما أن أزمات الكهرباء غالباً ما تغذي احتجاجات الصيف، إذ يعيش الناس الأزمة على شكل حرارة خانقة، وطعام فاسد، وأعمال متوقفة، وليالٍ بلا نوم.
ولا تزال أمام بغداد خيارات، لكنها جميعاً صعبة. إذ يمكنها البحث عن ترتيبات طارئة لاستيراد الغاز، أو شراء أنواع وقود أكثر كلفة، أو تسريع صيانة المحطات، أو الضغط على الشركاء الإقليميين لحماية الجدول الزمني لمشروع الربط الكهربائي. كما ينبغي عليها الإسراع في مشاريع التقاط الغاز، وإصلاح الشبكات، والطاقة المتجددة، والربط البديل مع تركيا والأردن.
لكن مع وجود رئيس وزراء جديد يتولى السلطة، يجب أن يكون هناك درسان واضحان:
أولاً، لا يمكن للسياسيين الاستمرار إلى ما لا نهاية في تأجيل القضايا الصعبة حتى تنتهي الطريق أمامهم.
وثانياً، إن بناء السياسات على أكثر التقديرات تفاؤلاً لا يصنع حلولاً دائمة.