لفت نظري منذ يومين أنّ شخصا ما وصف مشاهد لمصلين يؤدون الصلاة في شوارع إحدى المدن السورية بأنه زمن الانحطاط والتخلف والنفاق … بعد ذلك كتب بعضهم ساخراً ومعلقاً على حجاب نساء سوريات تخرجن لصالح الشرطة السياحية في وزارة الداخلية ، وبين الفينة والأخرى أقرأ الكثير من التعليقات التي تربط بين الحجاب والمظهر الخارجي وبين التقدم . يبدو كثير من هؤلاء المنتقدين كما لو أنهم يعيشون في كوكب آخر، أو أتوا من كوكب آخر.. لا يعرفون شيئا عن المجتمع الذي يعيشون فيه .
بصراحة ليست المشكلة في أن ينتقد أحدٌ ظاهرة دينية أو سلوكاً اجتماعياً أو حتى حضور التدين في المجال العام، فالنقد حق طبيعي، بل ضرورة أحياناً. المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك النوع من السوريين الذين ما زالوا يعيشون داخل قوقعة أيديولوجية متحجرة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ويتصرفون كما لو أنهم أوصياء على المجتمع والتاريخ والتقدم، بينما هم في الواقع منفصلون تماماً عن الناس وعن تحولات العالم.
فئة من بقايا اليسار السوري، أو بقايا النظام السابق، تتعامل اليوم مع أي مشهد لمصلين في شارع، أو موظفة محجبة، أو دورة شرطية تضم فتيات محجبات، باعتباره إعلاناً رسمياً عن سقوط الحضارة وانتصار “الرجعية”. تراهم يطلقون أحكاماً هستيرية عن “الانحطاط” و”التخلف”، وكأن المجتمع السوري كان يوماً نسخة عن باريس أو ستوكهولم، لا مجتمعاً محافظاً ومتديناً بطبيعته وتكوينه وثقافته.
المفارقة المضحكة أن كثيرين من هؤلاء عاشوا طوال حياتهم داخل هذا المجتمع نفسه، يعرفون جيداً أن التدين الشعبي جزء أصيل من النسيج السوري، لكنهم يتصرفون اليوم بدهشة مصطنعة، كأنهم اكتشفوا فجأة أن السوريين يصلّون، أو أن النساء المحجبات موجودات في الجامعات والمؤسسات العامة. أي انفصال عن الواقع هذا؟
الأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء لا يزال حتى اللحظة يلمّع صورة حافظ الأسد وبشار الأسد، ويتحدث عن الثورة السورية باعتبارها “مؤامرة”، متجاهلاً مئات المجازر وآلاف البراميل وملايين المهجرين. بالنسبة له، مشهد مصلين في شارع أخطر على سوريا من سجون تدمر وصيدنايا. حجاب موظفة يثير رعبه أكثر من نصف قرن من الاستبداد والقتل والإذلال.
هذا ليس يساراً حقيقياً، ولا فكراً نقدياً، بل حالة من التعالي المرضي على المجتمع، ممزوجة غالباً بخوف طائفي دفين يتخفى خلف شعارات العلمانية والتقدمية. كثير من هؤلاء لم يناضلوا يوماً من أجل الحرية بقدر ما ناضلوا من أجل بقاء البنية السلطوية التي كانت تمنحهم شعوراً بالتفوق الثقافي والرمزي على الأكثرية الاجتماعية.
لقد تغيّر العالم كله، حتى اليسار الغربي نفسه تجاوز هذه الثنائية الساذجة بين التدين والتقدم. في الديمقراطيات الكبرى، لم يعد وجود المتدينين في المجال العام يُعتبر دليلاً على التخلف، بل جزءاً من التعددية الطبيعية للمجتمعات. وحده هذا اليسار السوري المتحجر "التافه" ما زال يقيس الحداثة بعدد النساء غير المحجبات، وعدد المصلين وحضورهم.