ربما تكون أصعب بداية لأي رئيس حكومة عراقي، أن يدخل السلطة وسط شعور عام بالتحفظ والشك، لا بسبب خصومه السياسيين فقط، بل بسبب الإرث الثقيل الذي تركته الحكومات السابقة في ذهن الشارع العراقي.
وفي حالة علي الزيدي، بدا واضحاً منذ الأيام الأولى أن كثيرين -وأنا منهم- كانوا ينتظرون منه تقديم صورة مختلفة، ولو جزئياً، عن النموذج التقليدي الذي حكم العراق خلال السنوات الماضية، ليس لأنه جاء بمشروع استثنائي أو خطاب انقلابي على الواقع القائم، بل لأن بعض العراقيين رأوا فيه احتمالاً أقل ارتباطاً بالنسخة المألوفة للسلطة.
لكن في المقابل، فإن طريقة تشكيل الحكومة وبعض الأسماء التي ظهرت فيها، إضافة إلى طبيعة التوازنات السياسية المحيطة بها، دفعت شريحة من المتابعين إلى التعامل بحذر أكبر مع هذه التجربة، بعيداً عن الحماس المبكر أو الأحكام النهائية السريعة.
ومع ذلك، لا يبدو منطقياً التعامل مع الحكومة الجديدة بعقلية التصفيق المطلق أو المعارضة الفورية، فالتجربة لم تبدأ فعلياً بعد، والحكم عليها يحتاج إلى وقت كاف يسمح بقراءة طريقة إدارتها للملفات الأساسية، وقدرتها على اتخاذ قرارات مختلفة، أو على الأقل الحد من تكرار أخطاء المراحل السابقة.
وهنا تحديداً، يبرز دور الكتاب والصحفيين والباحثين والمحللين السياسيين، ليس بوصفهم جزءاً من ماكينة الترويج أو الهجوم، بل بوصفهم مساحة مراقبة وتقييم ونقد مهني، فالمشكلة في العراق لم تعد فقط في أداء السلطة، بل أيضاً في طبيعة الخطاب المحيط بها، بين من يمنح الحكومات صكوك النجاح قبل أن تبدأ.. ومن يعلن سقوطها قبل أن تتحرك.
وفي بلد يعيش هذا القدر من التعقيد والانقسام، تصبح الحاجة أكبر إلى خطاب هادئ ومتوازن، يراقب الأداء لا النوايا، ويتعامل مع الوقائع لا مع الرغبات السياسية أو العاطفية.
لذلك، قد تكون الـ100 يوم الأولى هي المساحة الأكثر واقعية لتقييم حكومة الزيدي، هل سيتمكن خلالها من تقديم مؤشرات مختلفة في الأداء والإدارة.. أم أن الأمور ستتجه نحو إعادة إنتاج المشهد ذاته بأسماء جديدة.
حتى ذلك الوقت، يبقى الخيار الأكثر توازناً وعقلانية هو المراقبة الهادئة، بلا اندفاع في التأييد، ولا استعجال في إعلان الفشل أيضاً، وبلا أوهام كبيرة أو أحكام نهائية متسرعة.