في العادة.. تمر بيانات السياسيين العراقيين من دون أن تترك أثراً حقيقياً خارج حدود السجال اليومي لكثرتها، وملل الناس منها.. ومن أصحابها، لكن بيان الشيخ خميس الخنجر، راعي المجلس السياسي الوطني العراقي الأخير بدا مختلفاً، ليس بسبب لهجته فقط، بل لأنه جاء في توقيت شديد الحساسية، وفي لحظة بدأ فيها العراق أكثر من أي وقت مضى من دفع ثمن تحوله إلى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة.
فالمنطقة كلها تغيرت خلال الأشهر الأخيرة، والمزاج العربي والإقليمي لم يعد يتعامل مع ملف السلاح المنفلت في العراق باعتباره شأناً داخلياً عراقياً فقط، بل كملف يرتبط مباشرة بأمن الخليج والأردن وسوريا، وبمستقبل الاستقرار في المنطقة كلها.
ومن هنا جاءت حساسية بيان الخنجر، لأنه قال بوضوح ما تخشى قوى كثيرة داخل العراق قوله: إن استمرار استخدام الأراضي العراقية في الهجمات العابرة للحدود، لم يعد يهدد الداخل العراقي فقط، بل بدأ يضع العراق نفسه في مواجهة مع محيطه العربي.
الأهم من ذلك، أن البيان لم يتحدث بلغة طائفية أو تحريضية، بل بلغة سيادية واضحة، ركزت على فكرة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، وعلى ضرورة منع تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ويعرف الخنجر، بحكم علاقاته السياسية الطيبة مع الخليج وتركيا والأردن وسوريا، كيف تنظر هذه العواصم اليوم إلى العراق، وكيف بات القلق يتصاعد من احتمال تحول الفوضى الأمنية داخل البلاد إلى تهديد مباشر يتجاوز الحدود العراقية.
ولهذا، يمكن قراءة البيان بوصفه رسالة سياسية مزدوجة، واحدة إلى الداخل العراقي، تقول إن استمرار الصمت لم يعد ممكناً، وأخرى إلى الخارج العربي، تؤكد أن في داخل العراق قوى سياسية ترفض أن يتحول بلدها إلى منصة لاستهداف الجوار.
وربما أخطر ما يواجهه العراق اليوم، ليس فقط وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، بل اعتياد الطبقة السياسية على هذا المشهد إلى درجة التعامل معه كأمر طبيعي، رغم أن نتائجه وجميعها سلبية، ترتد على صورة العراق وعلاقاته وموقعه الإقليمي.