نعم.. يمكن تأييد (أحمد الشرع) من قبل عراقي غير متدين من عائلة شيعية ويعيش في أوروبا منذ عقود!
لأني اقتنعت بأن خراب (عالمنا العربي) ليس فقط بسبب (الزعماء اللعوبين العملاء الفاسدين)، بل أيضاً وخصوصاً بسبب (الزعماء الوطنيين الثوريين) الذين يفتقدون أهم صفة في (الزعيم الوطني): (الحنكة السياسية) والقدرة على (كسب الأصدقاء) و(تحييد الأعداء). وهم الذين منذ أجيال ظلّوا يقودون شعوبنا مثل مراهق طائش، بارع بالتورط في معارك داخلية وخارجية تدمّر الوطن وتجلب الكوارث للشعب والدولة.
لنا مثالان واضحان للزعماء الفاشلين: (صدام حسين ومعمر القذافي)، كانا وطنيَّين قوميَّين ونزيهين، ولم يُعرف عنهما ولا عن نظاميهما فساد أو سرقات بالمعنى السائد اليوم. لكنهما، للأسف، كانا يفتقدان كلياً إلى الحنكة السياسية. عاشا مثل «قبضاي الحارة» الذي آمن بأن القوة والترهيب والتآمر تكفي لإدارة دولة ومجتمع وعالم عربي. فـ(صدام) مثلًا بدأ حكمه بتدمير حزبه واغتيال رفاقه، ثم جرَّ العراق إلى مغامرات حربية كارثية دمّرته بالكامل. وانتهى، كما نعلم، بهزيمة مذلّة، بعد أن خانه أقرب الناس إليه، بمن فيهم أبناء عمومته. وكانت النهاية المأساوية نفسها من نصيب (القذافي).
ولدينا أمثلة لا تُحصى لـ(زعماء ثوريين) في تاريخنا العربي الحديث، جلبوا لنا الهزائم الكارثية، من (جمال عبد الناصر وياسر عرفات)، وصولًا إلى (حزب الله وحماس)، حيث تتكرر المعادلة نفسها: خطاب بطولي، وغياب تام للحساب السياسي.
لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نمجّد الطرف النقيض تماماً، أي أولئك الزعماء الذين يمتلكون (الحنكة السياسية) ولكنهم (بلا كرامة وطنية ولا نزاهة)، وهم النموذج الغالب لزعمائنا الحاليين، الذين اختصروا الوطن في مصالحهم الشخصية، وربطوا كرامته بمدى خضوعهم لمصالح وأوامر القوى الكبرى.
نعم، نحن بحاجة إلى الزعيم الذي يجمع بين: (الوطنية) و(النزاهة) و(الحنكة السياسية)، يمكن مثلًا اعتبار (أردوغان) نموذجاً لزعيم وطني محنّك وناجح، ولكن لصالح بلاده تركيا، وليس لصالحنا نحن. إذ تراه يعتز بتاريخ دولته وعثمانيته، ويعرف كيف يخاطب الروس والأمريكان والناتو والعرب في آن واحد، وقد بنى بلاده اقتصادياً ومؤسساتياً، لكنني، كـ(عراقي وعربي)، أُدرك أن (هضبة الاناضول: تركيا) بحكم وضعها الجغرافي الجبلي، قد قامت دائما بالتوسع نحو جيرانها وتأسيس الامبراطوريات الكبرى: (الحيثية ثم البيزنطية ثم العثمانية). ولكن حاليا، يبقى التوسع الهمجي الايراني هو الخطر.
لماذا مع الشرع وسوريا الجديدة؟
بوصفي عراقياً، أعرف جيداً أن (سوريا وعموم بلدان الشام) كانت منذ فجر التاريخ، مترابطة مع العراق جغرافياً وسكانياً وثقافياً وسياسياً، أشبه بإخوة يعيشون في بيت واحد، لكلٍّ منهم غرفته، لكنهم يتشاركون السقف والمصير. لذلك فإن المقارنة بين (النظام العراقي الحالي) و(النظام السوري الجديد) ضرورة معقولة.
النظام العراقي
1ـ رغم ادعائه (الثورية الشيعية)، إلا أنه في الحقيقة نظام خالٍ من أي مضمون وطني. فمنذ 2003، وهو تابع عملياً لقوتين: (الميليشيات الإيرانية الحاكمة)، و(القواعد العسكرية الأمريكية) المنتشرة في أنحاء العراق.
2ـ هو لا يستحق حتى أن يُوصَف بأنه (نظام طائفي شيعي)، لأنه لم يبنِ الطائفة، بل دمّرها بكل معنى الكلمة، بواسطة الطبقة الفاسدة التي استحوذت على كل شيء، وجعلت (شيعة العراق) يعيشون أكثر في الفقر والقمامة والأطيان، يمضون حياتهم في العويل واللطم والتطبير الدموي، وشحن الحقد الأعمى ضد بقية المسلمين باعتبارهم (قتلة الأئمة)!
3ـ أما الجريمة الكبرى لهذا النظام، فهي أنه أسس دولة لا يمكن اعتبارها عراقية أصلًا، لأنها مقسّمة عملياً وشعبياً ورسمياً إلى (شيعة وسنة وأكراد)، وكل طرف مستعد، لو امتلك القوة، للقضاء على الطرفين الآخرين بلا رحمة. والشعارات الفعلية لهذه الدولة هي: الحقد، والفساد، والعمالة.
سوريا الجديدة ورئيسها الشرع
ليس تعاطف كثير من الوطنيين العراقيين، ومنهم الشيعة، مع (الشرع) أمراً عابراً، بل ردّاً طبيعياً على فساد وعمالة جميع القيادات العراقية. بعد أكثر من عام على (التجربة السورية)، بات واضحاً أنها تمثل النقيض التام لـ(الحالة العراقية). وهذا يفسّر الشحن الإعلامي ضد (ألرئيس الشرع)، لا بدوافع طائفية فقط، بل لأن نجاحه كشف عملياً عيوبهم المفضوحة.
يمكن تشبيه (الشرع) بـ(أردوغان)، من حيث (الوطنية والنزاهة والحنكة السياسية)، وهي سمات تكشفت بوضوح خلال فترة وجيزة:
1ـ تمسّكه الصريح بـ(الوحدة الوطنية: دولة وشعباً)، ورفض كل المشاريع التقسيمية الكارثية على الطريقة العراقية.
2ـ امتلاكه (حنكة سياسية عالية)، مكّنته خلال فترة وجيزة من كسب دول الخليج والسعودية وتركيا، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة، والدخول في تفاهمات مع إسرائيل، لا حباً بها، بل من أجل تحييدها وتحقيق السلام لسوريا وبناء الاقتصاد والدولة.
3ـ حمله لـ(عقيدة إسلامية وطنية، عملية، ومنفتحة)، وهذه كما نعتقد مسألة مهمة جداً ولها تأثير (تاريخي ثقافي سياسي) على سوريا وعلى العالم العربي. لكن هذه العقيدة ما تزال في طور التشكّل، وتحتاج إلى جهد ثقافي وفكري كبير لتثبيتها وتعميقها، وقد تشكّل، إن نجحت، نموذجاً جديداً في العالم العربي، يكسر تلك الفكرة السلبية التي سادت في العصر الحديث: بأن (العقيدة الإسلامية) لا تصلح لحكم الدولة والمجتمع في العصر الحديث. ونتمنى من النظام السوري الجديد أن يؤسّس (مركزاً ثقافياً في دمشق) يجتمع فيه المثقفون السوريون والعرب، القادرون على الحوار من أجل تطوير عقيدة إسلامية واقعية بمنهج صالح للحكم.
وأخيراً، لا بأس أن نتذكر أن (معاوية بن أبي سفيان)، من (دمشق)، أسّس أول (إمبراطورية عربية إسلامية) امتدت من حدود فرنسا إلى حدود الصين، وكانت الأساس الفعلي لنهضة حضارية عربية استمرت قروناً، ولا نزال حتى اليوم نعيش على بقاياها، رغم كل محاولات طمس هذا الإرث وتشويهه.