لم تكن بغداد يوما ما إبنة الحظ السعيد. حين اختارها المنصور عاصمة لبلاده سيجها بالنار ليرى حدود دائرتها. أما حين ولدتُ في مركزها، بالضبط في ساحة الطيران قريبا من بابها الشرقي فلم تكن تمتد عرضا أكثر من كيلومترين عن نهر دجلة في جانب الرصافة لتنتهي بباب الشيخ أما في جانب الكرخ فإنها لا تزيد عن أكثر من كيلومتر ونصف ينتهي بكرادة مريم.
تلك هي بغداد الممتدة على طول النهر من الكاظمية إلى الزوية في الكرادة الشرقية. مدينة تنام على النهر.
الرصافة كانت أكثر كرما على السابلة ففيها طريقان طويلان يطلان مباشرة على النهر ويمشيان معه، في الأعظمية وأبو نؤاس أما الكرخ فقد كان بخيلا لا يهب إلا مقاطع لا تسترخي معها الأنفاس.
حين كانت بغداد عباسية كان الحكم كله في الرصافة وما الباب الوسطاني وهو بابها الوحيد الذي لا يزال قائما إلا دليلا على ذلك أما بغداد الحديثة فقد اختارت الكرخ مقرا لحكامها على الرغم من أن مقبرة ملوكها تقع في الأعظمية بالرصافة. وإذا ما كان عبد الكريم قاسم قد حكم العراق (1958 ــ 1963) من وزارة الدفاع التي تقع في منطقة الباب المعظم وهو أحد أبواب بغداد المندثرة بالرصافة فإن صدام حسين والرؤساء الثلاثة الذين سبقوه كانوا قد حكموا العراق من الكرخ.
كانت الفرقة السمفونية تقيم حفلاتها في قاعة الشعب التي تلاصق وزارة الدفاع وهي القاعة نفسها التي احتضنت محكمة المهداوي بعد سنة 1958 والتي تميزت بامتزاج الفكاهة بالقسوة. بعد ذلك انتقلت الفرقة السمفونية إلى قاعة الخلد بجانب الكرخ وهي القاعة نفسها التي شهدت الحكم بإعدام نصف قيادة حزب البعث الحاكم عام 1979.
هربت الحيوانات بعد ملك الموسيقى
حديقة الأمة بالرصافة سبقت حديقة الزوراء بالكرخ بأكثر من عقدين من الزمن. حين أنشئت حديقة الأمة كان اسمها حديقة الملك غازي. الصورة الوحيدة التي أتذكرها من طفولتي أظهر فيها صغيرا جالسا على سياج تلك الحديقة إلى جانب والدي الذي وقف مرتديتا بدلة كان قد جلبها من خياطه الباكستاني في اليوم السابق. ليس بعيدا عن البيت الذي وُلدت فيه اُلتقطت تلك الصورة. حين سقطت الملكية عادت الحديقة إلى الأمة، لكن بمساحة أصغر بعد أن أقتطع منها الجزء الجنوبي ليُقام عليه تانكي (خزان) الماء.
أما الزوراء فقد أقيمت على أرض كانت عبارة عن معسكر للجيش هو (معسكر الوشاش) لتضم حديقة للحيوان ومعرضا للسيارات الملكية الفاخرة ومدينة ألعاب. الزوراء هو أسم لأحد أحياء بغداد يوم أنشئت. كما أن أول صحيفة عراقية كان اسمها الزوراء صدر عددها الأول عام 1869. وهناك قاعة سينما تحمل الاسم نفسه وتقع في منطقة المربعة بشارع الرشيد. أفتتحت تلك القاعة عام 1937 بعد ست سنوات من افتتاح أول قاعة سينما ببغداد وهي سينما الوطني بفيلم "ملك الموسيقى".
في عام 1950 بلغ عدد قاعات السينما في بغداد 80 قاعة. أما بعد عام 2003 فقد تحولت تلك القاعات إلى مخازن للبضائع وتم هدم العديد منها.
وإذا ما عدت إلى حديقتي الأمة والزوراء فقد تراجعتا مع الزمن. حتى سبعينات القرن الماضي كانت هناك في حديقة الأمة بحيرة للبط مسيجة بأسوار من أشجار مزهرة ويعلوها جسر صُمم أصلا لوقوف المارة من أجل التأمل.
كان نصب الحرية لنحاته جواد سليم قد وُضع في بواباتها المواجهة لجسر الجمهورية. لا يمر أحد بساحة التحرير وهي مركز العاصمة إلا ويقف أمام ذلك النصب الفني العظيم أو يمر من تحته. اليوم اختفت البحيرة أما النصب فقد صار مهددا دائما بالإزالة بسبب أصنامه.
أما حديقة الزوراء فقد اقتطع الجزء الأكبر منها وتم رصفه بالحجر واختفت حديقة الحيوانات بعد أن هرب سكانها خوفا من ضجيج الحرب.
كم هائل من المسرات خسره الإنسان والنبات والحيوان في العراق الذي أغرقته الأحزاب بمنطلقاتها النظرية التي تعلي من شأن الموت تحت شعار التضحية من أجل العقائد.
هل التهم العراقيون عاصمة بلادهم؟
"بغداد مبنية بتمر/ فلش وكل خستاوي" ذلك مطلع قصيدة شهيرة للشاعر البغدادي ملا عبود الكرخي. بهذا المعنى هل كان البغداديون يدركون أن مدينتهم هشة ومنذورة للخراب؟ لقد قيل الكثير في إدانة مؤيد الدين بن العلقمي، وزير المستعصم، آخر خلفاء بني العباس واتهامه بأنه فتح أبواب بغداد أمام جيش هولاكو في حين يؤكد مؤرخون أن العلقمي الذي كان يتفاوض مع هولاكو من أجل انقاذ بغداد خذله الخليفة حين استجاب لتضليل المحيطين به فأعلن عصيانه باسم الدين. ألم يتكرر ذلك عام 2003 حين رفض صدام حسين النظر إلى بغداد وهي تغرق في بؤسها وفضل أن يسلمها ترابا كما كان قد وعد في أحد خطاباته؟
مجازا وصل عبود الكرخي إلى الحقيقة. فبغداد المدينة التي يشكل التمر مادة بنائها الأساسية هدمها أبناؤها الذين يحبون تناول الخستاوي وهو نوع فاخر من التمر العراقي. وعلى ذكر التمر فقد كان العراق قبل حربه مع إيران بلد الثلاثين مليون نخلة. في الوقت ذاته كان عدد سكان العراق لا يزيد على 13 مليون نسمة. أما اليوم فكما يُقال من غير الاستناد إلى إحصاءات دقيقة فإن عدد سكان العراق يزيد على 45 مليون نسمة فيما لا يُذكر اسم العراق ضمن الدول العشر الأولى المصدرة للتمور
لا معادلات ولا خرائط ثابتة في العراق. يُقال إن الناس في الجاهلية (عصر ما قبل الإسلام) كانوا يأكلون آلهاتهم لأنها مصنوعة من تمر، فهل هدم العراقيون عاصمة بلادهم بالطريقة نفسها؟