ذات مرة ذكر أستاذنا مدني صالح أنه زار متحف اللوفر بباريس، وتوقف أمام لوحة الموناليزيا، التي كان يأتي الزائرون من كل فيافي الأرض لمشاهدتها، فأنعم وأمعن النظر فيها، ولم يكتشف الجمال الذي يقال عنها، ولكنه فضل السكوت ولم يصرح بذلك، وحينما سألناه كيف وجدتها؟ فأجاب (بيني وبينكم، كرعة ومو حلوة وتلعب النفس).
قد يكون مبالغا أستاذنا في نقده، ولكنه وجدها هكذا، ولم يصرح بذلك لأنها صارت أيقونة للجمال حتى عند من لم يعرف قيمة الفن التشكيلي، لأنها تحولت إلى (سلطة ثقافية) إن قال أحدهم أنني رأيتها ولا أجدها جميلة، سيهب العالم كله للتقليل من وعيه ومعرفته، لذلك فضل السكوت.
لا يفوتني أن أخبركم أن مدني صالح درس (بتشديد الراء) الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة وتخرج على يديه كثير من أساتذة الفن والفنانين التشكيليين.
يحصل الأمر ذاته في السياسة وفي الفكر الديني والعشائري حينما تسود فكرة ما عن حزب أو شخصية سياسية أو دينية أو عشائرية بأنه ذو حكمة، وأغلب الناس متفقين على هذا الرأي رغم أنك لو سألت أحدهم عن تجلي حكمته وأين يمكن لك إيجادها لما أجابك؟!. وأفضل جواب عنده لأنه لا يعرف الجواب يستخف برأيك ويرد عليك (هاي اشبيك متشوف الناس مكلوبه عليه وتحبه)!.
يبدو أن شيوع الفكرة وانتشارها أهم من قيمتها المعرفية وخدمتها للإنسانية، كما أن حضور الشخص وتأثيره في الأوساط السياسية والاجتماعية أو الدينية بحكم تصديره إعلاميا وشيوع أنه يستحق المحبة والتقدير، وقد يكون كذلك، أهم من معرفتنا بأنه يستحق التقدير نتيجة معرفتنا بما فعله لصالح المجتمع، لأن أغلبنا لا يهمه التحقق من صدق ما يشاع، بقدر ما يهتم بتصديقه لأنه شائع.
ينتقد علي أومليل في كتابه (السلطة الثقافية والسلطة السياسية) تماهي السلطة الثقافية مع السلطة السياسية التي جعلت الحاكم سلطانا وعالما في الوقت نفسه.
مهمة الثقافة مهمة نقدية، لا إعادة إنتاج للسلطة، لأن مهمة المثقف نقد آليات السلطة لا التماهي معها ليكون نتاجه سلطة أخرى موازية للسلطة السياسية أو الدينية.