تمثل ظاهرة استدراج الشباب العراقي للقتال خارج حدود الدولة، إحدى الظواهر الخطيرة، التي تستوجب المعالجة القانونية والمؤسسية، لما تنطوي عليه من مساس مباشر بالأمن الوطني والسلم المجتمعي وحماية الحقوق والحريات الأساسية، التي كفلها الدستور. وتتمثل هذه الظاهرة بقيام أفراد أو جماعات أو شبكات منظمة باستقطاب الشباب عبر وسائل الخداع أو التغرير أو الاستغلال الاقتصادي، تحت غطاء فرص العمل أو الدراسة أو الهجرة أو السياحة، تمهيداً لزجهم في نزاعات مسلحة خارج الإطار القانوني للدولة.
ومن الناحية الدستورية، فإن دستور سنة 2005 قد أسس لمجموعة من المبادئ الحاكمة، التي تهدف إلى صيانة كرامة الإنسان وحماية أمنه القانوني. إذ نصت المادة (15) على أن لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها، إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرار صادر عن جهة قضائية مختصة. كما أكدت المادة (37/ أولاً) حماية الإنسان من جميع أشكال الإكراه والتهديد والاستغلال، وهي مبادئ دستورية تشكل الأساس القانوني لمواجهة عمليات الاستدراج والتغرير بالأشخاص.
وتكشف التطبيقات العملية أن الجهات التي تمارس هذا النشاط، تعتمد على استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة ومعدلات البطالة المرتفعة وضعف الثقافة القانونية لدى بعض الشباب، فتقدم عروضاً ظاهرها مشروع وباطنها غير مشروع. فقد يتم الإعلان عن وظائف أمنية أو خدمية برواتب مغرية في دول أجنبية، أو عن منح دراسية وتأشيرات سفر مجانية، ثم يتبين لاحقاً أن الغرض الحقيقي هو نقل الأشخاص إلى مناطق نزاع مسلح وإخضاعهم لظروف تدفعهم إلى المشاركة في الأعمال القتالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن المبادئ القانونية المستقرة أن الرضا إذا شابه الغش أو التدليس أو الإكراه يفقد قيمته القانونية. لذلك فإن موافقة الشخص التي يتم الحصول عليها نتيجة الخداع أو التغرير لا تنشئ مركزاً قانونياً مشروعاً، بل قد تشكل دليلاً على وقوع جريمة تستوجب الملاحقة القانونية بحق مرتكبيها.
كما أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم (28) لسنة 2012 يعد من أهم الأدوات التشريعية في مواجهة هذه الأفعال، إذ جرم استقطاب الأشخاص أو نقلهم أو إيواءهم أو استقبالهم باستعمال وسائل التهديد أو القوة أو الخداع أو استغلال حالة الضعف لتحقيق أغراض غير مشروعة. وتزداد جسامة الفعل متى ما أدى إلى استغلال الضحية في أعمال تعرض حياته أو حريته أو سلامته للخطر.
ومن جهة أخرى، فإن قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل يتضمن أحكاماً تجرم الأفعال التي تمس أمن الدولة أو تعرض المواطنين للخطر أو تقوم على الاحتيال والتدليس أو الاشتراك في تنظيمات أو أنشطة غير مشروعة. وتخضع الأفعال المرتبطة بكل حالة لتكييفها القانوني من قبل السلطات القضائية المختصة وفقاً للوقائع والظروف المحيطة بها.
ومن القواعد القانونية الراسخة أن “الجهل بالقانون لا يعد عذراً للإفلات من المسؤولية”، وهي قاعدة تفرض على الأفراد واجب التحري والتثبت قبل الإقدام على أي تصرف ذي آثار قانونية أو أمنية. كما أن قاعدة “درء الضرر مقدم على جلب المنفعة” تقتضي الامتناع عن الانسياق وراء الإغراءات المالية أو الوعود غير الموثقة التي قد تفضي إلى نتائج خطيرة على الفرد وأسرته ومجتمعه.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في آثارها القانونية والاجتماعية، إذ قد يجد الشخص نفسه معرضاً للمساءلة القانونية، أو فاقداً للحماية القانونية أو واقعاً تحت سلطة جهات تستغل حاجته الاقتصادية لتحقيق أهداف تتعارض مع القوانين الوطنية والقواعد الدولية. كما أن هذه الممارسات تؤدي إلى استنزاف الطاقات البشرية التي يفترض أن تسهم في عملية البناء والتنمية داخل العراق.
وعليه، فإن المعالجة الحقيقية لهذه الظاهرة تستوجب تفعيل الدور الرقابي للمؤسسات المختصة، وتشديد الرقابة على مكاتب التشغيل والسفر، وملاحقة الشبكات التي تمارس الاستدراج أو التغرير، فضلاً عن تعزيز برامج التوعية القانونية في الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام. كما يتعين على المواطنين عدم التعامل إلا مع الجهات الرسمية المرخصة والتحقق من صحة عروض العمل أو الدراسة أو الهجرة من خلال القنوات الحكومية المعتمدة.
إن حماية الشباب العراقي من الوقوع ضحية لعمليات الاستدراج والتغرير تمثل التزاماً دستورياً وقانونياً ووطنياً، ينسجم مع مبدأ سيادة القانون وحماية الكرامة الإنسانية وصيانة الأمن الوطني. فبناء الدولة لا يتحقق إلا بحماية رأس مالها البشري من الاستغلال، وترسيخ ثقافة قانونية تجعل من المواطن شريكاً فاعلاً في مواجهة المخاطر التي تهدد المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.