في وقت انشغل فيه العالم بنتائج مباريات كأس العالم 2026، اتخذ الرئيس دونالد ترمب في غفلة من الجميع، قرارا مفاجئا لم تعهده الأسواق الدولية في شأن رسوم التعريفات الجمركية والتجارة، التي ظلت لنحو سنة ونصف السنة تشبه سيف ديموقليس، الذي يهدد به من يعتبرهم مسؤولين عن تفاقم عجز تجارة السلع الأميركية المقدر بـ 1.24 تريليون دولار.
هذه المرة، قرر الرئيس الأميركي، في 29 يونيو/حزيران 2026، تعليق تحصيل رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية على بعض واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية لمدة ثمانية أشهر، بعد إعلانه حالة طوارئ تتعلق بإمدادات الأسمدة، وذلك بهدف ضمان أمن الإمدادات الغذائية ودعم الإنتاج الزراعي الأميركي، وفق بيان صادر عن البيت الأبيض.
وأوضح البيان أن "سلاسل الإمداد العالمية للأسمدة ومدخلات إنتاجها تعرضت لاضطرابات في الأشهر الأخيرة بسبب النزاعات في مناطق إنتاج الأسمدة والإجراءات التجارية التي اتخذتها بعض الدول المنتجة"، مؤكدا أن القرار يهدف إلى ضمان توافر إمدادات كافية وفي الوقت المناسب من الأسمدة الفوسفاتية لتلبية احتياجات المزارعين الأميركيين.
تقليص تكلفة الاستيراد
تكشف وزارة الزراعة الأميركية عن تباين وضع الأسمدة في الولايات المتحدة بشكل كبير بحسب نوع المغذيات. ففي حين تضاعف إنتاج الأسمدة النيتروجينية بين عامي 2010 و2020، انخفض إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية بشكل حاد منذ تسعينيات القرن الماضي. وتستورد الولايات المتحدة حاليا نحو 95 في المئة من احتياجاتها من البوتاس.
وكانت واردات الولايات المتحدة من الأسمدة الفوسفاتية المغربية قد تراجعت في السنوات الأخيرة عقب فرض الرسوم التعويضية ورسوم مكافحة الإغراق في عام 2021، بعدما بلغت قيمتها نحو 771 مليون دولار في عام 2018، قبل أن تنخفض إلى نحو 729 مليون دولار في 2019، ثم واصلت تراجعها في السنوات اللاحقة.
في المقابل ارتفعت الصادرات الزراعية الأميركية صوب المغرب وبلغت 815 مليون دولار عام 2025 بزيادة 38 في المئة على قيمتها عام 2024.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قد فرضت في عام 2021 رسوما تعويضية ورسوما لمكافحة الإغراق على واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية، بعدما خلص تحقيق أجرته وزارة التجارة الأميركية، بناء على التماس تقدمت به شركة "موزايك" (Mosaic)، إلى أن المكتب الشريف للفوسفات (OCP) استفاد من دعم حكومي منح منتجاته ميزة غير عادلة في السوق الأميركية. وبلغت الرسوم التعويضية على واردات OCP نحو 19.97 في المئة.
وفي المقابل، حذرت الرابطة الوطنية لمزارعي الذرة الأميركية (NCGA) والرابطة الأميركية لفول الصويا (ASA) من أن الرسوم الجمركية على الأسمدة الفوسفاتية رفعت تكاليف الإنتاج وأضرت بالمزارعين الأميركيين، واعتبرتا أنها زادت أسعار الأسمدة وأثرت سلبا في القدرة التنافسية للقطاع الزراعي.
ارتياح المزارعين الأميركيين
قالت وزيرة الزراعة الأميركية، بروك رولينز، إن تعليق الرسوم على واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية سيخفض أسعار هذه الأسمدة بنحو 22 في المئة، مما يوفر للمزارعين الأميركيين نحو 1.82 مليار دولار سنويا. وأضافت " الرئيس يضع مصالح المزارعين في المقدمة لأنهم يكافحون من أجل إطعام الأمة". وعبرت جمعيات مزارعي القمح والذرة والصويا في عدد من الولايات عن ارتياحها لرفع تلك الرسوم الجمركية، التي كلفتها مبالغ إضافية بلغت 6.9 مليار دولار خلال السنوات 2021-2025، وفقا لدراسة أنجزتها جامعة تكساس (Texas A- M University).
وأدرجت وزارة الزراعة الأميركية المغرب ضمن الدول ذات الأولوية في برنامج "الغذاء من أجل التقدم" (Food for Progress) للسنة المالية 2026، وهو برنامج يهدف إلى تحسين الإنتاجية الزراعية وزيادة تجارة المنتجات الزراعية، مع تخصيص مشروع للمغرب تصل قيمته إلى نحو 33 مليون دولار لدعم تطوير سلسلة القيمة الزراعية.
وأثار القرار تساؤلات في بعض وسائل الإعلام الأميركية في شأن أسباب لجوء إدارة ترمب إلى تعليق الرسوم على الأسمدة الفوسفاتية المغربية، على الرغم من الرسوم التي فرضتها واشنطن عليها منذ عام 2021.
وأوضح البيت الأبيض أن الأسمدة الفوسفاتية تُعد من المغذيات الأساس للنباتات ومكونا حيويا للإنتاج الزراعي، وأنها ضرورية للحفاظ على الأمن الغذائي الأميركي، مشيرا إلى أن سلاسل الإمداد العالمية للأسمدة الفوسفاتية ومدخلات إنتاجها تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاضطرابات كبيرة.
الرهان الأميركي على الفوسفات المغربي
يرى محللون أن رهان الرئيس ترمب على الأسمدة المغربية يستند إلى مصالح متعددة. أولها الاعتماد على أحد أكبر مصدري الأسمدة الفوسفاتية لمواجهة أي خلل في الإمداد من مناطق النزاع، التي قد تطول لفترة لاحقة، خاصة أزمة مضيق هرمز.
وللمقاربة، تتصدر الصين إنتاج الفوسفات بحصة تقارب 37 في المئة، يليها المغرب والولايات المتحدة (14 في المئة لكل منهما)، ثم روسيا (8 في المئة)، بينما يهيمن المغرب عبر مجموعة OCP على صادرات الفوسفات ومشتقاته، مستفيدا من امتلاكه أكثر من 70 في المئة من احتياطيات الفوسفات الصخري العالمية. وفي الأسمدة البوتاسية، تتصدر كندا الإنتاج بنحو 33 في المئة، تليها روسيا (22 في المئة) وبيلاروسا (16 في المئة)، ثم الصين (8.6 في المئة).
أما في الأسمدة النيتروجينية (الأمونيا)، فتتصدر الصين الإنتاج بنحو 28 في المئة من الإجمالي العالمي، تليها الولايات المتحدة (9 في المئة) والهند (8 في المئة ). وتُعد السعودية من أبرز المنتجين والمصدرين العالميين للأمونيا واليوريا، مستفيدة من وفرة الغاز الطبيعي المنخفض التكلفة، إذ صدّرت نحو 3.26 ملايين طن من الأمونيا في عام 2021، وفق بيانات البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، يراهن ترمب على تعويض جزء من النقص الناتج من القيود التي تفرضها الصين على صادرات بعض الأسمدة الفوسفاتية، في ظل احتدام التنافس التجاري بين واشنطن وبكين. ومن بين المصالح المحتملة، توسيع الشراكات التجارية والصناعية بين الولايات المتحدة والمغرب في قطاع الفوسفات ومشتقاته، بما يعزز أمن سلاسل إمداد الأسمدة، في وقت تُقدَّر فيه قيمة سوق الأسمدة العالمية بنحو 230 مليار دولار، مع توقعات باستمرار نمو الطلب مدفوعا بزيادة عدد السكان والحاجة إلى رفع الإنتاج الزراعي لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والتغير المناخي.
وترتبط الولايات المتحدة والمغرب باتفاقية للتجارة الحرة دخلت حيز التنفيذ عام 2006، كما يجمعهما تحالف تاريخي يمتد لنحو 250 عاما، احتفل البلدان بذكراه قبل أيام من قرار تعليق الرسوم، ويُعد من أقدم العلاقات الديبلوماسية المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة.
ويأتي القرار في سياق شراكة استراتيجية متنامية بين البلدين، إذ يجمعهما أيضا تعاون دفاعي طويل الأمد، بينما تكتسب الموانئ والبنية التحتية المغربية أهمية متزايدة في الحسابات اللوجستية الأميركية وسط الاضطرابات الإقليمية.
وقال المحلل والخبير الاقتصادي رشيد ساري لـمجلة "المجلة": "لم تتضرر الولايات المتحدة من نقص إمدادات الطاقة لأنها بلد يملك الاكتفاء الذاتي، لكنها تضررت من نقص إمدادات الأسمدة الحيوية للإنتاج الزراعي، في بلد تعتبر جمعيات المزارعين أقوى اللوبيات الاقتصادية".
الاستنجاد بالأسمدة المغربية
رأت الإدارة الأميركية أن الصراعات الجيوسياسية، والأعمال العدائية، والإجراءات التجارية التي اتخذتها بعض الدول الرئيسة المنتجة للأسمدة، أدت إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وهددت توافر الأسمدة الفوسفاتية، بما قد ينعكس على الأمن الغذائي الأميركي، الذي اعتبره البيت الأبيض أولوية قصوى. ووفق الإعلان الرئاسي، يهدف تعليق الرسوم على واردات الأسمدة الفوسفاتية إلى ضمان حصول المزارعين الأميركيين على إمدادات كافية على المدى القريب، والحد من مخاطر نقص الإمدادات الغذائية، إلى جانب تعزيز استقرار قطاع الزراعة من خلال تأمين سلاسل توريد أكثر موثوقية للأسمدة.
وتشير تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والبنك الدولي إلى أن استمرار الصراعات الجيوسياسية، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط والممرات البحرية الحيوية، يزيد هشاشة سلاسل إمداد الطاقة والأسمدة، ويرفع مخاطر تقلب الأسعار، بما قد ينعكس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي العالمي، في وقت تتفاقم فيه تحديات تغير المناخ، وشح المياه، والتصحر، والظواهر المناخية المتطرفة. وفي ظل تركز إنتاج الأسمدة والمواد الخام في عدد محدود من الدول، قد تتحول سلاسل إمداد الأسمدة إلى إحدى أبرز أوراق النفوذ الجيوسياسي خلال العقود المقبلة، تماما كما حدث مع الطاقة وأشباه الموصلات.
سوق الأسمدة تثير شهية ترمب
قبل اندلاع الحرب مع إيران، كان مضيق هرمز يمر عبره ما يصل إلى 30 في المئة من تجارة الأسمدة العالمية، وفق المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI).
وبعد إغلاق المضيق، تعثر نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرا، مما شكل صدمة لسلاسل التوريد العالمية دفعت أسعار الأسمدة إلى الارتفاع، وباتت تهدد الأمن الغذائي العالمي.
وتتركز الطاقة الإنتاجية العالمية للأسمدة في شرق آسيا التي تستحوذ على نحو 32 في المئة من الإنتاج، تليها أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى (17 في المئة)، ثم أميركا الشمالية (16 في المئة). كما يمثل الشرق الأوسط نحو 9 في المئة من الطاقة الإنتاجية العالمية، وأفريقيا 8 في المئة.
ومن حيث القيمة، يُقدَّر حجم سوق الأسمدة العالمي بنحو 227 مليار دولار، تتصدره آسيا والمحيط الهادئ بأكثر من 109 مليارات دولار، تليها أميركا الشمالية بنحو 40.6 مليار دولار، وفق بيانات "غراند فيو ريسيرش" (Grand View Research).
وتشير توقعات الاتحاد الدولي للأسمدة (IFA) إلى أن الطاقة الإنتاجية العالمية بحلول عام 2029 ستبلغ نحو 184.9 مليون طن من النيتروجين (الأمونيا)، و71.7 مليون طن من خامس أكسيد الفوسفور المستخدم في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، مدفوعة باستثمارات جديدة في المغرب والسعودية وكندا وروسيا ولاوس.
ومن المتوقع أن يرتفع الاستهلاك العالمي للأسمدة، محسوبا بالمغذيات النباتية (النيتروجين والفوسفات والبوتاس)، إلى نحو 219 مليون طن في حلول عام 2028، مقارنة بنحو 203.6 مليون طن في 2024.
وتُعد الأسمدة سلعة استراتيجية للأمن الغذائي العالمي، إذ تؤدي دورا محوريا في تعزيز الإنتاج الزراعي ورفع إنتاجية المحاصيل. وتُقدِّر "فورتش بزنس إنسايتس" (Fortune Business Insights) حجم سوق الأسمدة العالمية بنحو 152.7 مليار دولار في 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 204.7 مليار دولار بحلول 2034.
وتعتبر الصين والهند والبرازيل أكبر مستهلكي الأسمدة النباتية في العالم، مستحوذة على النصيب الأكبر من الطلب العالمي. كما تظل آسيا والمحيط الهادئ أكبر سوق للأسمدة عالميا (48.1 في المئة)، مدفوعة بالكثافة السكانية واتساع النشاط الزراعي، وسط توقعات بارتفاع عدد سكان العالم إلى نحو 10.3 مليارات نسمة في منتصف ثمانينيات القرن الحالي، وهو ما يرجح استمرار نمو الطلب على الأسمدة لدعم الأمن الغذائي
الفوسفات نفط المغرب
على الرغم من محدودية موارده من النفط والغاز، يمتلك المغرب أكبر احتياطيات صخر الفوسفات في العالم، تُقدَّر بنحو 50 مليار طن متري، أي ما يعادل نحو 68 في المئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS). وهي مادة أساس في صناعة الأسمدة الزراعية وضمان الأمن الغذائي.
ويتجه المغرب بشكل متزايد إلى تعظيم القيمة المضافة لثروته الفوسفاتية، إذ تعالج مجموعة "OCP" نحو ثلاثة أرباع إنتاجها من صخر الفوسفات إلى حمض الفوسفوريك، ويُحوَّل جزء كبير منه لاحقا إلى أسمدة فوسفاتية، بدلا من تصدير الخام.
ووفق بيانات البنك الدولي، بلغت قيمة صادرات المغرب من الأسمدة الزراعية نحو 12.6 مليار دولار في عام 2024، ليحافظ على صدارة أكبر مصدري الأسمدة في العالم من حيث القيمة.
وحسب موقع المكتب الشريف للفوسفات، تمثل دول الاتحاد الأوروبي السوق الأساس لصادرات الأسمدة الفوسفاتية بنسبة 59 في المئة، تليها أفريقيا بنسبة 58 في المئة، وبعدها جنوب آسيا والشرق الأوسط (35 في المئة)، من ثم أميركا اللاتينية (32 في المئة)، وبعدها أميركا الشرقية (23 في المئة).
وقد بلغت القدرة الإنتاجية للمكتب الشريف للفوسفات نحو 12 مليون طن من الأسمدة، ويستهدف رفعها إلى 20 مليون طن سنويا في حلول عام 2027 ضمن برنامجه الاستثماري الأخضر، بما يعزز مكانة المغرب بين أكبر منتجي الأسمدة في العالم.
ولهذا أطلقت مجموعة المكتب الشريف للفوسفات (OCP) برنامجا استثماريا أخضر للفترة 2023-2027 بقيمة 130 مليار درهم (نحو 13 مليار دولار)، يستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للأسمدة، وتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، وتحقيق الحياد الكربوني الكامل في حلول عام 2040.
وتقوم الخطة على إنتاج "أسمدة الفوسفات الثلاثي" (TSP) لتلبية الطلب العالمي للأسمدة صديقة البيئة بتقليص الانبعاث الحراري، والاعتماد على الهيدروجين الأخضر والامونيا الخضراء.
وتقول مصادر المكتب الشريف للفوسفات لمجلة "المجلة: "يستفيد المغرب من التشريعات الأوروبية الجديدة في مجال الحد من الانبعاث الغازية والتوافق مع البيئة، بما يعزز موقعه كركيزة أساس للأمن الغذائي العالمي، ومورد رئيس للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويمكن الاعتماد عليه لتعويض النقص في الإمدادات الدولية أثناء الأزمات".
فوسفات متعدد الاستعمالات
ويُعد الفوسفات من أكثر المعادن الاستراتيجية تنوعا في الاستخدامات، إذ يُستخدم أساسا في إنتاج الأسمدة، كما يدخل في صناعات الكيماويات والأغذية والأدوية ومواد التجميل والمنظفات، إضافة إلى تطبيقات صناعية وتقنيات ناشئة تشمل بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP) المستخدمة في السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.
وتحتوي صخور الفوسفات المغربية على موارد كبيرة من اليورانيوم، تُقدَّر بأكثر من 6.5 مليون طن وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووكالة الطاقة النووية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يجعل المغرب أكبر مالك لموارد اليورانيوم المرتبطة بالفوسفات في العالم. ويمكن استخلاص اليورانيوم من صخور الفوسفات لاستخدامه في إنتاج الوقود النووي اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إلا أن استخراجه يعتمد على الجدوى الاقتصادية وأسعار اليورانيوم العالمية.
وكتبت صحفية "لوبينيون" (L'Opinion) الفرنسية "يجلس المغرب على كنز حقيقي، إذ يختزن باطن أرضه نحو ثلاثة أرباع احتياطيات الفوسفات العالمية، وهو أحد العناصر الغذائية الثلاثة الأساس لنمو النباتات، إلى جانب النيتروجين والبوتاس...ولعقود طويلة، اقتصرت صادرات المغرب من الأسمدة في الغالب على الأسمدة الفوسفاتية الأساس… إلا أن المغرب يطمح اليوم إلى تغيير هذا النموذج، وتطويره، والتحول إلى أحد أبرز المنتجين العالميين للأسمدة المركبة، المشابهة لتلك التي يستخدمها المزارعون في الدول الغربية منذ عقود، والتي تتميز بارتفاع سعرها مقارنة بالأسمدة التقليدية، لكنها أكثر كفاءة وفعالية".
وفي الوقت الذي علّقت فيه الولايات المتحدة مؤقتا الرسوم المفروضة على واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية لضمان أمنها الغذائي والزراعي، يمضي المغرب في بناء سلسلة قيمة جديدة للفوسفات، إذ تنفذ مجموعة "غوشن هاي تك" (Gotion High-Tech) الصينية مشروعا عملاقا لإنتاج بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP) في منطقة القنيطرة، باستثمارات إجمالية تُقدَّر بنحو 6.5 مليار دولار، مستفيدة من الفوسفات المغربي والليثيوم المستخدم في تصنيع البطاريات.
فإذا كان معظم الفوسفات يخصص لصناعة الأسمدة لتحسين المردود الزراعي والغذائي، فإن عناصر أخرى يمكن استخراجها كمنتج جانبي خلال عملية التحويل بما فيها صناعة بطاريات السيارات.
ووفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، بلغ إنتاج المغرب من صخور الفوسفات نحو 36 مليون طن متري عام 2025، ليحل في المرتبة الثانية عالميا بعد الصين التي بلغ إنتاجها 110 ملايين طن، فيما قُدِّر الإنتاج العالمي بنحو 250 مليون طن متري.
يقول المغاربة إن اكتشاف الفوسفات مطلع القرن العشرين كشف عن كنز سيورثه جيل إلى جيل. واليوم، تبدو قيمة هذا الكنز أكبر من أي وقت مضى، فبينما تتبدل خرائط الاقتصاد العالمي وتتسابق الدول على تأمين الموارد الاستراتيجية، يواصل الفوسفات المغربي تثبيت موقعه كمورد طبيعي وكأصل استراتيجي يربط بين أمن الغذاء، وتحول الطاقة، وصناعات المستقبل.