لم يعُد اسما منشأتي "نطنز" و"فوردو" وحدهما يتصدران المشهد في المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، بل برز خلال الأسابيع الأخيرة اسم جبل كلنك غزلا (Kalang Ghazla)، المعروف بالفارسية باسم "کوه کلنك كزلا" الذي تشير إليه بعض التقارير الغربية أيضاً باسم "جبل الفأس". ويقع الجبل إلى الجنوب من "منشأة نطنز" لتخصيب الوقود النووي في محافظة أصفهان، وتحول وسط الغموض الذي يحيط بالمنشآت المشيدة في أعماقه، إلى أحد أبرز محاور التهديدات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، مع تصاعد التساؤلات حول دوره المحتمل في مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وجاء هذا التحول عقب ما كشفت عنه صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، من أن إسرائيل أبلغت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بامتلاكها معلومات استخباراتية تشير إلى أن إيران نقلت، خلال خريف العام الماضي، آلاف أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم إلى المجمع المحصن داخل الجبل. ودفعت هذه المعلومات الموقع إلى صدارة الاهتمام السياسي والعسكري، بعدما ظل لأعوام مشروعاً غامضاً لا يُعرف عن طبيعته سوى القليل.
وتعزز هذا الاهتمام مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وصف "جبل كلنك" بأنه أحد الأهداف المحتملة لأي عمل عسكري أميركي، مؤكداً أن واشنطن تراقب الموقع بصورة مستمرة. ولم يقتصر الأمر على التلويح باستهدافه، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قال خلال مقابلة إعلامية إن الولايات المتحدة "ستزيل ’جبل الفأس‘ من الوجود"، في أول إشارة مباشرة من رئيس أميركي إلى الموقع بوصفه هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وليس مجرد جزء من البنية التحتية النووية الإيرانية.
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي الاتهامات الغربية، مؤكدة أن الجبل لا يحتضن أية أنشطة نووية ومحذرة من أن أي استهداف له سيقابل بردّ عسكري. وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن نقل أجهزة طرد مركزي إلى داخله، والنفي الإيراني، والمواقف الأميركية التي باتت تتعامل معه باعتباره هدفاً محتملاً، برز "جبل كلنك" بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الأزمة النووية الإيرانية.
وتكمن أهمية هذا الجدل في أنه لم يعُد يقتصر على طبيعة المنشآت المقامة داخل الجبل، بل امتد إلى مستقبل البرنامج النووي الإيراني بأكمله. فإذا صحت المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، فإن الموقع قد لا يكون مجرد مشروع دفاعي شُيد لحماية منشآت قائمة، بل قد يمثل الحلقة الأهم في جهود طهران لإعادة بناء بنيتها التحتية النووية بعد الضربات التي استهدفت منشآت "نطنز" و"فوردو" و"أصفهان". أما إذا لم تثبت هذه المعلومات، فإن مجرد تداولها على أعلى المستويات السياسية والعسكرية يكشف عن أن "جبل كلنك" أصبح جزءاً من معادلة الردع والتصعيد بين واشنطن وطهران، وأن أي تطور يتعلق به من الممكن أن ينعكس مباشرة على مسار الأزمة النووية الإيرانية.
ومن هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة المحورية، كيف نشأ مشروع "جبل كلنك"؟ ولماذا حظي بهذا المستوى غير المسبوق من التحصين؟ وما الذي تقوله المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية الجديدة حوله؟ وهل أصبح بالفعل أحد أكثر الأهداف النووية حساسية في الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية؟
تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تتبع تطور مشروع "جبل كلنك" منذ الإعلان عن إنشائه في أعقاب استهداف "منشأة نطنز" عام 2020، واستعراض خصائصه الهندسية والعسكرية، وتحليل المعلومات الاستخباراتية المتداولة حوله، وصولاً إلى تفسير أسباب تحوله، خلال فترة وجيزة، من مشروع نووي غامض إلى أحد أبرز عناوين المواجهة بين واشنطن وطهران.
من تفجير "نطنز" إلى أعماق الجبل
لم يكُن اسم "جبل الفأس" (كلنك) متداولاً خارج الأوساط المتخصصة حتى صيف عام 2020، عندما تعرض مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي المتطورة في "منشأة نطنز" لانفجار وحريق كبيرين، في عملية نسبت على نطاق واسع إلى إسرائيل، وكشفت عن هشاشة جزء من البنية التحتية النووية الإيرانية المقامة فوق سطح الأرض.
في تلك المرحلة، ورد اسم الجبل للمرة الأولى بوصفه معلماً جغرافياً يقع إلى الجنوب من "منشأة نطنز"، من دون أن يحظى بأية أهمية مستقلة. لكن ذلك تغير بعد أشهر قليلة، عندما أعلن المندوب الإيراني لدى المنظمات الدولية آنذاك كاظم غريب آبادي أن بلاده ستبني منشأة جديدة "أكثر تطوراً" داخل أحد الجبال، بديلة عن المنشأة التي دمرت، من دون أن يكشف عن موقعها.
ولم يمضِ وقت طويل حتى أكد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي أن إيران بدأت بالفعل نقل منشآتها الحساسة إلى "قلب الجبل" لحمايتها من أية هجمات مستقبلية، مشيراً إلى أن المشروع الجديد سيكون أكثر تطوراً وأعلى تحصيناً من المنشأة السابقة في نطنز.
وفي وقت لاحق، كشفت صور الأقمار الاصطناعية التي حللتها مؤسسات بحثية غربية، وفي مقدمتها "معهد العلوم والأمن الدولي"، إضافة إلى تقارير صحافية أميركية، عن أن المشروع المقصود هو المجمع الضخم الجاري تشييده داخل جبل كلنك، الواقع إلى الجنوب من "منشأة نطنز" في محافظة أصفهان.
ومنذ ذلك الحين، لم يعُد الجبل مجرد موقع جغرافي، بل تحول إلى أحد أبرز المشاريع الدفاعية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وجسد تحولاً واضحاً في العقيدة الهندسية والأمنية لطهران، القائمة على نقل البنية التحتية الحساسة من المنشآت المكشوفة إلى مجمعات عميقة داخل الجبال، بهدف تقليص قابليتها للاستهداف وضمان استمرار البرنامج النووي حتى في حال تعرض المواقع التقليدية لهجمات عسكرية.
لكن التطورات الأخيرة أضفت على المشروع بعداً جديداً، فبعد أعوام كان ينظر خلالها إلى الجبل على أنه منشأة قيد الإنشاء، أو مشروع احتياطي للمستقبل، أصبحت الاستخبارات الإسرائيلية تتحدث عن انتقاله إلى مرحلة مختلفة، من خلال نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى داخله. وإذا ثبتت صحة هذه المعلومات، فإن "جبل الفأس" (كلنك) لن يكون مجرد امتداد لـ"منشأة نطنز"، بل من الممكن أن يتحول إلى أحد أهم مراكز الثقل في البنية التحتية النووية الإيرانية، مما يفسر انتقاله سريعاً إلى صدارة بنك الأهداف في الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.
لماذا يصعب استهداف "جبل كلنك"؟
لا تكمن أهمية "جبل كلنك" في طبيعة الأنشطة التي قد يحتضنها وحسب، بل في الطريقة التي صمم بها. فمنذ أن قررت إيران، عقب استهداف "منشأة نطنز" عام 2020، نقل جزء من بنيتها التحتية النووية إلى داخل الجبال، لم يعُد الهدف إنشاء منشآت بديلة وحسب، بل بناء مواقع قادرة على الصمود أمام أكثر الضربات الجوية تطوراً، بما يضمن استمرار البرنامج النووي حتى في حال تعرض المنشآت التقليدية للتدمير.
ويقع "جبل كلنك" على بعد نحو 1.5 كيلومتر جنوب "منشأة نطنز" لتخصيب الوقود النووي في محافظة أصفهان، ضمن الامتداد الشمالي لسلسلة جبال زاغروس، ويبلغ ارتفاعه نحو 1608 أمتار فوق سطح البحر، غير أن القيمة العسكرية للموقع لا ترتبط بارتفاعه، بل بطبيعة تكوينه الجيولوجي، إذ تشير التقديرات إلى أن المجمع شُيد على عمق يراوح ما بين 90 و137 متراً داخل كتلة صخرية صلبة يغلب عليها الغرانيت، وهو عمق يفوق كثيراً ما تتمتع به معظم المنشآت النووية الإيرانية المعروفة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن الصخور الغرانيتية أكثر كثافة وصلابة من الصخور الرسوبية، مما يزيد من صعوبة اختراقها حتى باستخدام الذخائر الخارقة للتحصينات. ولهذا السبب، يرى عدد من الخبراء العسكريين أن تدمير منشأة بهذا المستوى من التحصين لا يعتمد على امتلاك قنابل أكثر قوة وحسب، بل يتطلب معرفة دقيقة بالتصميم الداخلي للمجمع ومسارات الأنفاق ومواقع القاعات الرئيسة ونقاط الضعف الهندسية، وهي معلومات لا تتوافر علناً حتى الآن.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية أن المجمع يضم أربعة مداخل رئيسة موزعة على جانبي الجبل، إضافة إلى شبكة من الأنفاق الداخلية التي يرجح أنها تتصل بقاعات تقع على أعماق مختلفة. كذلك، رصدت خلال الأشهر الماضية حركة متواصلة للشاحنات الثقيلة وآليات الحفر وخلاطات الأسمنت والرافعات، فضلاً عن أعمال تدعيم للأنفاق وإنشاء تحصينات إضافية ومحيط أمني جديد، مما يشير إلى أن المشروع ظل يشهد أعمال تطوير مستمرة حتى بعد الضربات التي استهدفت عدداً من المنشآت النووية الإيرانية.
وتشير صور حديثة إلى أن أعمال التحصين لم تقتصر على المجمع الجديد، بل شملت أيضاً شبكة أنفاق أقدم تعود لعام 2007، كانت إيران أغلقت أجزاءً منها في وقت سابق، قبل أن تستأنف العمل في محيطها خلال الأشهر الأخيرة. ويرى عدد من الخبراء أن هذا النشاط المتواصل يعكس سعي طهران إلى إنشاء مجمع نووي متكامل تحت الأرض، بدلاً من الاكتفاء بمنشأة واحدة معزولة.
وعلى رغم ذلك، فإن استمرار أعمال البناء لا يعني بالضرورة أن الموقع دخل مرحلة التشغيل الكامل. فحتى أحدث التقييمات الصادرة عن "معهد العلوم والأمن الدولي" تشير إلى أن صور الأقمار الاصطناعية تثبت استمرار النشاط الإنشائي وتعزيز التحصينات، لكنها لا تقدم دليلاً قاطعاً على بدء تشغيل منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل الجبل. لكن هذا الاستنتاج سبق ظهور المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية الأخيرة التي تحدثت عن نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى المجمع، مما قد يفرض إعادة تقييم طبيعة الأنشطة الجارية داخله إذا ما تأكدت تلك المعلومات.
ولعل أكثر ما يثير اهتمام المخططين العسكريين الأميركيين والإسرائيليين هو أن تصميم المجمع يقلص بدرجة كبيرة فاعلية الضربات الجوية التقليدية، فحتى القنبلة الأميركية الخارقة للتحصينات GBU-57 التي تُعد أقوى ذخيرة تقليدية من هذا النوع، لا توفر ضمانة لتدمير منشأة بهذا العمق بصورة كاملة، ولا سيما إذا كانت القاعات الرئيسة موزعة على مستويات متعددة داخل الجبل.
ولهذا السبب، يدور النقاش داخل الأوساط العسكرية الغربية حول أن أي هجوم محتمل قد لا يستهدف تدمير المجمع بالكامل، بل تعطيل قدرته على العمل عبر ضرب مداخل الأنفاق وفتحات التهوئة وشبكات الكهرباء والبنية التحتية المحيطة به، مما يمنع إدخال المعدات أو إخراجها، ويعطل تشغيل المنشأة لفترات طويلة، حتى إذا بقيت القاعات الداخلية سليمة نسبياً.
ومن هنا، يمكن فهم سبب تصاعد الاهتمام الأميركي والإسرائيلي بـ"جبل الفأس" (كلنك) خلال الأشهر الأخيرة. فالموقع لا يمثل مجرد منشأة نووية محتملة، بل يعكس تحولاً في العقيدة الدفاعية الإيرانية، يقوم على إنشاء بنية تحتية أكثر تحصيناً وأقل انكشافاً، مما يجعل تعطيلها أو تدميرها أكثر تعقيداً وكلفة من أية مرحلة سابقة. وإذا أضيفت إلى ذلك المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية التي تتحدث عن نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى داخله، فإن الجبل يتحول من مشروع هندسي دفاعي إلى منشأة من الممكن أن تقوم بدور محوري في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، مما يفسر انتقاله إلى صدارة أولويات واشنطن وتل أبيب.
المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية...
لماذا تغير تقييم "جبل كلنك"؟
ظل "جبل الفأس" (كلنك) طوال الأعوام الماضية يمثل بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الغربية منشأة شديدة التحصين يصعب تحديد طبيعة الأنشطة الجارية داخلها. وعلى رغم أن صور الأقمار الاصطناعية وفرت قدراً متزايداً من المعلومات عن أعمال الحفر والإنشاء والتدعيم، فإنها لم تقدم دليلاً مباشراً على ما يجري داخل الأنفاق. لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع ظهور معلومات استخباراتية إسرائيلية جديدة، نقلت الجدل من مرحلة التكهن بطبيعة المشروع إلى مرحلة البحث في احتمال انتقال جزء من البرنامج النووي الإيراني بالفعل إلى داخل الجبل.
وبحسب ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، فإن إسرائيل أبلغت الإدارة الأميركية بأن معلوماتها الاستخباراتية تشير إلى أن إيران نقلت خلال خريف العام الماضي آلاف أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم إلى شبكة الأنفاق داخل "جبل كلنك"، في خطوة وصفت بأنها قد تمثل بداية مرحلة جديدة في إعادة بناء البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني بعد الضربات التي استهدفت منشآته الرئيسة.
وتشير المعلومات التي قدمتها إسرائيل إلى أن عملية النقل جاءت عقب الحرب التي استمرت 12 يوماً والتي تعرضت خلالها منشآت "نطنز" و"فوردو" و"أصفهان" لهجمات أميركية وإسرائيلية، مما دفع طهران، بحسب هذا التقييم، إلى تسريع نقل المعدات الأكثر حساسية إلى مواقع يصعب استهدافها، وفي مقدمتها "جبل كلنك".
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة لأنها لا تتحدث عن إنشاء منشأة جديدة أو مواصلة أعمال الحفر وحسب، بل عن نقل معدات تُعد العمود الفقري لأي برنامج لتخصيب اليورانيوم، فأجهزة الطرد المركزي هي الوسيلة الأساسية المستخدمة في رفع نسبة تخصيب اليورانيوم، ونقل أعداد كبيرة منها إلى منشأة شديدة التحصين قد يمنح إيران، نظرياً، قدرة أكبر على حماية أهم مكونات برنامجها النووي من أية هجمات مستقبلية.
لكن هذه المعلومات، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إيران بدأت تشغيل منشأة جديدة للتخصيب داخل الجبل، فوجود أجهزة الطرد المركزي في موقع معين لا يثبت وحده بدء عمليات التخصيب، إذ يتطلب تشغيلها بنية تحتية تقنية معقدة تشمل شبكات الكهرباء وأنظمة التبريد والتحكم، إضافة إلى تجهيزات أخرى لا يمكن التحقق من وجودها داخل المجمع في ظل غياب عمليات التفتيش الدولية.
وفي هذا السياق، رأى رئيس "معهد العلوم والأمن الدولي" ديفيد أولبرايت أن احتمال نقل أجهزة الطرد المركزي إلى "جبل الفأس" (كلنك) أصبح وارداً في ضوء النشاط المتواصل الذي رصدته صور الأقمار الاصطناعية خلال الأشهر الـ15 الماضية، وأشار إلى أن الموقع شهد حركة منتظمة للشاحنات وأعمالاً متواصلة لتدعيم الأنفاق وتوسيع الإجراءات الأمنية، وهي مؤشرات تتوافق مع استمرار تطوير المجمع، وإن كانت لا تكشف بصورة مباشرة عن طبيعة المعدات التي يجري إدخالها إليه.
كذلك، لفت المعهد إلى أن الأنشطة لم تقتصر على شبكة الأنفاق الجديدة، بل شملت أيضاً محيط شبكة أنفاق أقدم تعود لعام 2007، كانت إيران أغلقت أجزاءً منها في السابق، قبل أن تستأنف العمل في محيطها خلال الفترة الأخيرة، مما يعزز الانطباع بأن المشروع يشهد توسعاً مستمراً، وليس مجرد استكمال لأعمال إنشائية محدودة.
من جانبه حذر نيت سوانسون الذي تولى ملف إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، من أن تاريخ البرنامج النووي الإيراني في إنشاء منشآت سرية يجعل أي نشاط غير معلن داخل موقع شديد التحصين سبباً كافياً لإثارة القلق. وقال إن أسوأ السيناريوهات يتمثل في "الاختراق النووي السري"، مضيفاً أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في طبيعة الموقع، وإنما في عدم قدرة المجتمع الدولي على التحقق مما يجري داخله.
وشدد سوانسون على أن غياب عمليات التفتيش يجعل الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير قادرة على التحقق من الأنشطة المحتملة داخل الجبل، مؤكداً أن إعادة المفتشين لهذه المواقع أصبحت ضرورة ملحة إذا أريد تبديد الشكوك المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني.
ومع ذلك، فإن ثمة فارقاً مهماً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم هذه المعطيات، فحتى الآن لم تنشر إسرائيل أدلة استخباراتية علنية تدعم ما أعلنته في شأن نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي، كما أن الولايات المتحدة لم تؤكد بصورة مستقلة صحة هذه المعلومات، في حين لم تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي تقييم يمكن أن يحسم هذا الجدل. ولذلك، تبقى هذه الرواية، على أهميتها السياسية والاستخباراتية، في إطار المعلومات التي يجري تداولها بين الحكومات، لا في إطار الوقائع التي أمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
لكن غياب الأدلة المنشورة لا يقلل من أهمية التطور نفسه، ففي كثير من الأحيان لا تُبنى القرارات العسكرية على المعلومات المتاحة للرأي العام، بل على تقديرات استخباراتية تحتفظ بها الدول لنفسها. ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الحقيقية للمعلومات الإسرائيلية لا تكمن في إثباتها بصورة علنية، وإنما في أنها أسهمت على ما يبدو في إعادة تشكيل تقييم واشنطن لأهمية "جبل كلنك"، ورفعته من منشأة نووية غامضة قيد المتابعة إلى هدف يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية الأميركية.
ومن هنا، يمكن فهم سبب التحول اللافت في الخطاب الأميركي خلال الأسابيع الأخيرة، فالتصريحات التي صدرت عن ترمب في شأن استعداد الولايات المتحدة لاستهداف "جبل كلنك" لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت مع تداول هذه المعلومات الاستخباراتية، مما يثير تساؤلاً جديداً، هل أصبح الجبل بالفعل أحد أهم أهداف واشنطن في أية مواجهة مقبلة مع إيران، أم أن التهديدات الأميركية تندرج في إطار سياسة الردع والضغط السياسي أكثر من أنها تعكس قراراً عسكرياً وشيكاً؟
من الغموض النووي إلى بنك الأهداف الأميركي
لم يكُن انتقال "جبل كلنك" إلى صدارة الاهتمام الأميركي والإسرائيلي نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة مسار تراكمي بدأ عقب استهداف "منشأة نطنز" عام 2020، وتسارع بعد الحرب الأخيرة التي تعرضت خلالها منشآت "نطنز" و"فوردو" و"أصفهان" لهجمات أميركية وإسرائيلية، لكن التطور الأكثر تأثيراً تمثل في المعلومات الاستخباراتية التي تحدثت عن احتمال نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى المجمع المحصن داخل الجبل، مما أعاد رسم صورة الموقع في التقديرات العسكرية الغربية.
فحتى وقت قريب، كان "جبل كلنك" ينظر إليه على أنه مشروع دفاعي قيد التطوير، صمم لتوفير حماية أكبر للبنية التحتية النووية الإيرانية. أما اليوم، فبات ينظر إليه على أنه قد يمثل الحلقة التالية في إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وهو تحول يفسر انتقاله من منشأة غامضة تتابعها أجهزة الاستخبارات إلى هدف يتقدم تدريجاً في بنك الأهداف الأميركي.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات ترمب أهمية خاصة لأنها عكست تحولاً في طبيعة التفكير الأميركي تجاه المنشآت النووية الإيرانية، إذ أكد أن الولايات المتحدة تراقب "جبل كلنك" بصورة مستمرة ولوّح بإمكان توجيه ضربة قوية إلى الموقع، بل تحدث عن "إزالة الجبل من الوجود"، خلال خطاب تجاوز حدود التحذير السياسي إلى التهديد العسكري المباشر.
واللافت في هذه التصريحات أنها لم تستند إلى إعلان وجود نشاط تشغيلي مؤكد داخل الجبل، بل على العكس، أقر ترمب بأن واشنطن لم ترصد مؤشرات واضحة على وجود نشاط داخله. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا الغموض إلى تخفيف حدة التهديد، بل بدا أنه عزز القناعة بضرورة الاستعداد للتحرك قبل أن يتحول الموقع إلى منشأة نووية مكتملة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في منطق الردع الأميركي، فبدلاً من انتظار ظهور منشأة عاملة يمكن التحقق من طبيعة نشاطها، أصبح التركيز منصباً على تعطيل القدرات المستقبلية قبل اكتمالها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمنشآت عميقة يصعب اختراقها أو مراقبتها. وبذلك، لم يعُد الغموض عاملاً يؤخر العمل العسكري، بل أصبح، في نظر بعض دوائر صنع القرار، سبباً إضافياً للتفكير فيه.
ولا يبدو أن هذا التقييم يقتصر على واشنطن وحدها، فوفق ما كشفت عنه "وول ستريت جورنال"، ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن "جبل كلنك" قد يتحول إلى أهم موقع لإعادة تأهيل البرنامج النووي الإيراني، مما دفع مسؤولين إسرائيليين إلى المطالبة باستهدافه إذا تأكدت المعلومات المتعلقة بنقل أجهزة الطرد المركزي إليه. وأشارت الصحيفة أيضاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول إقناع الإدارة الأميركية بمواصلة استهداف البنية التحتية النووية الإيرانية، انطلاقاً من اعتقاد مفاده بأن أي تأخير سيمنح طهران فرصة لترسيخ وجودها داخل منشآت أكثر تحصيناً.
ومع ذلك، فإن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ لا يزال محفوفاً بتحديات عسكرية كبيرة، إذ إن المعضلة الرئيسة لا تتمثل في تحديد موقع المنشأة، وإنما في كيفية التعامل مع مجمع صمم منذ البداية ليقاوم أكثر الهجمات الجوية تطوراً. فحتى القنبلة الأميركية الخارقة للتحصينات GBU-57 التي تُعد أقوى ذخيرة تقليدية من هذا النوع، لا توفر ضمانة لتدمير منشأة بهذا العمق إذا كانت قاعاتها الرئيسة موزعة على مستويات متعددة داخل الجبل.
ولهذا السبب، يميل عدد من الخبراء العسكريين إلى الاعتقاد بأن أي هجوم محتمل لن يستهدف تدمير المجمع بالكامل، وإنما تعطيل قدرته على العمل، من خلال استهداف مداخل الأنفاق وفتحات التهوئة وشبكات الكهرباء والطرق المؤدية إلى الموقع، مما يمنع إدخال المعدات أو إخراجها، ويؤخر تشغيل المنشأة لفترة طويلة، حتى إذا بقيت أجزاء من بنيتها الداخلية سليمة.
لكن هذا السيناريو لا يخلو من إشكالات، فنجاح أية ضربة سيظل من الصعب التحقق منه في ظل غياب عمليات التفتيش الدولية، كما أن استهداف منشأة لم تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تضم أنشطة نووية محظورة قد يثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً، ولا سيما إذا استند القرار إلى معلومات استخباراتية لم تكشف عن تفاصيلها للرأي العام.
وفي المقابل، تواجه إيران معضلة لا تقل تعقيداً. فمن منظورها، جاء إنشاء "جبل الفأس" (كلنك) استجابة للدروس التي أفرزتها الهجمات المتكررة على منشآتها النووية، بهدف توفير مستوى أعلى من الحماية وضمان استمرار البرنامج النووي. إلا أن هذه السياسة نفسها أسهمت في تعميق الشكوك الغربية، إذ إن نقل الأنشطة الحساسة إلى منشآت مغلقة وعميقة تحت الأرض يجعل من الصعب التحقق من طبيعتها، ويدفع أجهزة الاستخبارات إلى ملء الفراغ المعلوماتي بتقديرات قد تتحول لاحقاً إلى أساس لاتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية.
وهكذا، يجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة معقدة، فكلما عززت طهران تحصين منشآتها وزادت من سريتها، ارتفع مستوى القلق لدى خصومها، وكلما تصاعدت هذه الشكوك، ازداد احتمال إدراج تلك المنشآت ضمن بنك الأهداف العسكرية. ومن ثم، يتحول الغموض النووي نفسه إلى أحد أبرز محركات التصعيد.
وفي المحصلة، لا تكمن أهمية "جبل الفأس" (كلنك) في ما ثبت وجوده داخله حتى الآن، بل في التحول الذي طرأ على طريقة النظر إليه. فبعدما كان يُعد مشروعاً نووياً غامضاً يخضع للمتابعة الاستخباراتية، أصبح ينظر إليه، في ضوء التقديرات الإسرائيلية والتصريحات الأميركية الأخيرة، على أنه موقع ربما يقوم بدور محوري في مستقبل البرنامج النووي الإيراني. ومن هنا، لم يعُد الجدل يدور حول الجبل نفسه، بقدر ما يدور حول ما قد يعنيه بالنسبة إلى الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.
(جبل الفأس) ومستقبل المواجهة
قد لا يكون "جبل الفأس" (كلنك) اليوم أهم منشأة نووية في إيران من ناحية القدرة التشغيلية الفعلية، كما لا توجد حتى الآن أدلة معلنة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة تثبت أنه أصبح مركزاً لتخصيب اليورانيوم أو أنه يضم آلاف أجهزة الطرد المركزي التي تحدثت عنها التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية. لكن أهمية الموقع لم تعُد تُبنى على الوقائع المعلنة وحدها، بل أيضاً على ما تتداوله التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية والأميركية حول دوره المحتمل في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، مما يفسر الاهتمام المتزايد الذي يحظى به لدى دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وتكشف قضية "جبل كلنك" عن تحول أعمق في طبيعة الصراع بين إيران وخصومها. فخلال العقود الأخيرة، كانت المواجهة تدور حول منشآت نووية معروفة مثل "نطنز" و"فوردو" و"أصفهان"، تخضع بدرجات متفاوتة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويمكن تقييم أنشطتها استناداً إلى عمليات التفتيش والتقارير الفنية. أما اليوم، فأصبح جانب مهم من هذا الصراع يدور حول منشآت شديدة التحصين، يصعب الوصول إليها أو التحقق مما يجري داخلها، مما يمنح المعلومات الاستخباراتية وزناً غير مسبوق في تشكيل القرارات السياسية والعسكرية.
ومن هذا المنطلق، لم يعُد الغموض مجرد سمة تميز البرنامج النووي الإيراني، بل أصبح أحد عناصره الاستراتيجية. فمن وجهة النظر الإيرانية، من الممكن أن تشكل السرية والتحصين وسيلة لردع أي هجوم محتمل وإقناع الخصوم بأن تدمير البرنامج النووي لم يعُد مهمة سهلة أو مضمونة. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن هذا الغموض نفسه يرفع مستوى التهديد ربما لأنه يزيد من صعوبة تقدير حجم القدرات التي قد تمتلكها إيران مستقبلاً، ويقلص هامش الوقت المتاح للتعامل معها.
وتعكس هذه المعادلة إحدى أبرز مفارقات الردع في الملف النووي الإيراني، فالإجراءات التي تتخذها طهران لتعزيز حماية برنامجها قد تفسر، في المقابل، بوصفها مؤشراً على سعيها إلى امتلاك قدرة نووية أكثر تقدماً، مما يدفع خصومها إلى التفكير في خيارات أكثر تشدداً. وفي المقابل، تؤدي التهديدات العسكرية والضربات المتكررة إلى تعزيز القناعة الإيرانية بضرورة بناء منشآت أكثر عمقاً وأشد تحصيناً، لتدخل الأطراف جميعها في حلقة متواصلة من التصعيد المتبادل.
واللافت أن النظام الإيراني واصل الاستثمار في هذا البرنامج على رغم ما تكبده خلال الأعوام الأخيرة من خسائر مالية وبشرية وأضرار واسعة طاولت منشآته وبنيته التحتية، ولا سيما خلال المواجهات العسكرية الأخيرة. ويشير هذا الإصرار إلى أن البرنامج النووي لم يعُد بالنسبة إلى طهران مجرد مشروع علمي أو ورقة تفاوضية، بل أصبح جزءاً من تصورها للأمن القومي وضمانة لبقاء النظام وردع خصومه. ومن ثم، فإن استمرار العمل في "جبل كلنك"، على رغم الكلفة المرتفعة والتهديدات المتواصلة، يكشف عن أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تدفع القيادة الإيرانية إلى التخلي عن المشروع، بل ربما عززت اقتناعها بضرورة نقله إلى منشآت أعمق وأكثر قدرة على الصمود.
وعلى رغم أن احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية لا يزال قائماً، فإن التجربة الممتدة على مدى أكثر من عقدين تشير إلى أن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، لم تتمكن من إنهاء البرنامج النووي الإيراني، بل أسهمت في كثير من الأحيان في دفعه نحو مزيد من السرية والتعقيد والتحصين. كما أن الاعتماد المتزايد على المنشآت العميقة تحت الأرض يجعل أي خيار عسكري مستقبلي أكثر كلفة وأقل يقيناً من ناحية النتائج، مقارنة بما كانت عليه الحال في السابق.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن إيران أصبحت بمنأى عن الضغوط. فكلما اتسعت الفجوة بين ما هو معلن وما يجري داخل المنشآت المحصنة، ازدادت المطالب الدولية باستعادة الرقابة الفنية وتعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإعادة بناء منظومة تحقق قادرة على تقليص مساحة الشكوك. فاستمرار الغموض لا يزيد فقط من احتمالات سوء التقدير، بل يرفع أيضاً أخطار أن تُبنى قرارات مصيرية على تقديرات استخباراتية قد لا يكون من الممكن التحقق منها بصورة مستقلة.
ومن هنا، فإن "جبل الفأس" (كلنك) لا يمثل مجرد موقع جغرافي أو مشروع هندسي تحت الأرض، بل يعكس مرحلة جديدة من تطور البرنامج النووي الإيراني، تقوم على نقل عناصره الأكثر حساسية إلى بيئات يصعب استهدافها أو مراقبتها. وفي الوقت نفسه، يجسد تحولاً موازياً في التفكير الأميركي والإسرائيلي، إذ لم يعُد التركيز ينصب على ما تمتلكه إيران اليوم وحسب، بل على ما قد تصبح قادرة على امتلاكه غداً.
وفي ضوء ذلك، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت إيران نقلت بالفعل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى "جبل الفأس" (كلنك)، بل ما إذا كان هذا الاعتقاد، بصرف النظر عن مدى صحته، أصبح عاملاً مؤثراً في صياغة الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية. ففي العلاقات الدولية، كثيراً ما تُبنى القرارات الكبرى على تقديرات استخباراتية وتقييمات للأخطار، حتى في غياب أدلة معلنة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
وبذلك، يمكن القول إن "جبل كلنك" لم يعُد مجرد منشأة نووية قيد الإنشاء، بل أصبح عنواناً لمرحلة جديدة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تتداخل فيها التقديرات الاستخباراتية مع سياسات الردع، والهندسة العسكرية مع الحسابات السياسية، والغموض المحيط بالموقع مع احتمالات التصعيد. ومن الممكن أن يسهم المسار الذي ستتخذه هذه المواجهة في تحديد مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل قد تمتد تداعياته إلى استقرار النظام الإيراني وشكل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط خلال الأعوام المقبلة.