تفكيك

هل تنجح بغداد في جمع واشنطن وطهران على طاولة واحدة؟

جبار زيدان
21 يوليو 2026
هل تنجح بغداد في جمع واشنطن وطهران على طاولة واحدة؟

تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي سيجريها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة الإيرانية طهران نهاية الأسبوع الحالي، في محطة إقليمية تبدو ذات أبعاد تتجاوز الملفات الثنائية التقليدية، لتضع العراق مجدداً في موقع الوسيط الساعي إلى تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.

وتأتي الزيارة بعد أيام من اختتام الزيدي زيارة رسمية إلى واشنطن، شهدت لقاءات رفيعة المستوى مع الإدارة الأميركية، وأسفرت عن تفاهمات اقتصادية واستثمارية واسعة، الأمر الذي يمنح الجولة الإقليمية الحالية أهمية خاصة باعتبارها اختباراً لقدرة بغداد على الحفاظ على توازن علاقاتها مع طرفين يمثلان محورين رئيسين في معادلات الشرق الأوسط.

وأكد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أن لقاء الزيدي مع السفير الإيراني لدى العراق محمد كاظم آل صادق تناول الاستعدادات الجارية للزيارة الرسمية إلى طهران والملفات التي ستتضمنها، بهدف تفعيل التعاون الثنائي وتوسيع آفاق الشراكة والتنسيق بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وأعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أن زيارة رئيس الوزراء إلى إيران وتركيا تأتي في إطار برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز علاقات العراق مع دول الجوار والشركاء الإقليميين والدوليين، مشيراً إلى أن المباحثات ستتناول ملفات ثنائية إلى جانب التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الأمن والاستقرار. وأوضح العبودي أن العراق يحظى بثقة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، الأمر الذي يمنحه فرصة الإسهام في دعم الحوار وتخفيف حدة التوترات، مؤكداً في الوقت نفسه أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يبقى قراراً سيادياً عراقياً يُدار وفق الدستور والقانون.

وساطة عراقية جديدة

تتزامن زيارة الزيدي مع تقارير تحدثت عن مبادرة عراقية تهدف إلى المساهمة في إنهاء التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران، عبر فتح قنوات للحوار بين الطرفين. وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن بغداد تدرس إمكان استضافة لقاءات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال الفترة المقبلة، في محاولة لتقريب وجهات النظر ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التوترات مما قد ينعكس مباشرة على العراق واقتصاده وأمنه.

ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها امتداداً للدور الذي لعبته بغداد خلال الأعوام الماضية عندما استضافت جولات حوار بين طهران والرياض، وأسهمت في تهيئة الأجواء التي قادت لاحقاً إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

أهمية خاصة في طهران

من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية الزيارة المرتقبة بأنها ذات أهمية خاصة، مؤكدة أن جدول أعمالها يتضمن توقيع عدد من الوثائق ومذكرات التفاهم. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المباحثات ستشمل ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري، والتعاون في المناطق الحدودية، إضافة إلى قضايا الأمن المشترك، مشيراً إلى أن عدداً من الوثائق ومذكرات التفاهم سيوقع خلال الزيارة.

وتعكس التصريحات الإيرانية رغبة واضحة في توسيع التعاون مع بغداد في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، فضلاً عن ضغوط اقتصادية مرتبطة بأمن الطاقة وحركة التجارة الإقليمية.

اقتصاد وسياسة في حزمة واحدة

ولا تقتصر الزيارة على الجوانب السياسية والأمنية، إذ تأتي في وقت يسعى فيه العراق إلى تنويع خياراته الاقتصادية وتعزيز استقرار إمدادات الطاقة، خصوصاً مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وتأثيراتها المحتملة في أسواق النفط العالمية.

ويرى مراقبون أن بغداد تحاول الاستفادة من علاقاتها مع واشنطن وطهران في آن لتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى منصة للحوار والتعاون الاقتصادي بدلاً من أن تكون ساحة للتجاذبات والصراعات. كذلك فإن الحكومة العراقية تسعى إلى استثمار الزخم الذي نتج من زيارة واشنطن الأخيرة من أجل بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف العواصم الإقليمية، بما يعزز موقع العراق كشريك اقتصادي ودبلوماسي فاعل.

هل تنجح بغداد؟

في السياق، رأى الباحث في الشأن السياسي العراقي ميثم الدراجي أن الزيارة تحمل بعدين رئيسين "الأول يتعلق بتطوير العلاقات الثنائية بين بغداد وطهران، والثاني يرتبط بالدور الإقليمي الذي تسعى الحكومة العراقية إلى تكريسه"، وتابع الدراجي أن "العراق يحاول الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة التفاهمات، مستفيداً من علاقاته المتوازنة مع الولايات المتحدة وإيران، مما يمنحه فرصة للعب دور الوسيط المقبول من الطرفين"، وأضاف أن نجاح الوساطة العراقية لن يكون سهلاً بسبب عمق الخلافات الأميركية - الإيرانية وتشابك الملفات الإقليمية، "لكن مجرد فتح قنوات للحوار أو تخفيف مستويات التصعيد يعد إنجازاً مهماً لبغداد"، وأشار إلى أن العراق يمتلك مصلحة مباشرة في تهدئة التوترات، لأن أي مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران ستنعكس على أمنه الداخلي واستقراره الاقتصادي، فضلاً عن تأثيرها في صادرات النفط وحركة الاستثمار.

فرصة تاريخية

من جهته، رأى الباحث في الشؤون الإقليمية ماجد الصوفي أن التحرك العراقي الحالي يعكس نضجاً متزايداً في السياسة الخارجية العراقية، وقال "إن بغداد تحاول الاستفادة من التحولات الإقليمية ومن علاقاتها الجيدة مع مختلف الأطراف لتقديم نفسها كعاصمة للحوار الإقليمي، وليس كساحة للصراع"، وتابع أن زيارة الزيدي إلى واشنطن ثم طهران خلال فترة زمنية قصيرة تمنحه فرصة لنقل رسائل مباشرة بين الطرفين، "وهو أمر قد يساعد في بناء أرضية أولية لتفاهمات مستقبلية"، وأكد أن نجاح العراق في استضافة لقاء أميركي - إيراني، حتى لو كان على مستوى فني أو غير مباشر، "سيشكل مكسباً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً للحكومة العراقية، ويعزز مكانة بغداد كلاعب إقليمي قادر على المساهمة في إدارة الأزمات".

تحديات معقدة

وعلى رغم التفاؤل الحذر الذي يرافق التحركات العراقية، فإن المراقبين يلفتون إلى أن نجاح أي وساطة سيظل مرهوناً بإرادة الطرفين الأميركي والإيراني، وبمدى استعدادهما للانخراط في مسار حوار جديد. كذلك فإن الملفات العالقة بين واشنطن وطهران، بما في ذلك البرنامج النووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي، تجعل مهمة أي وسيط أكثر تعقيداً، حتى لو حظي بثقة الجانبين. ومع ذلك، تبدو بغداد مصممة على استثمار موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة لتعزيز الاستقرار الإقليمي، في وقت تتزايد الحاجة إلى قنوات دبلوماسية قادرة على منع الأزمات من التحول إلى مواجهات مفتوحة. وبينما تستعد طهران لاستقبال رئيس الوزراء العراقي، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الزيارة ستقتصر على تعزيز التعاون الثنائي وتوقيع مذكرات تفاهم جديدة، أم أنها ستفتح بالفعل نافذة لحوار إقليمي أوسع قد يمنح العراق دوراً محورياً في تقريب المسافات بين واشنطن وطهران، ويعيد ترسيخ مكانته كجسر للتواصل في منطقة تعج بالأزمات والتنافسات؟

شارك المقال f 𝕏 in