ظل الطريق الخفي لإيران على الأرض السورية سالكاً من دون انقطاع، وبلغ ذروة نشاطه وحركته حينما هيمنت الفصائل الإيرانية والموالية لها على المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان، واستفادت بشكل لافت من تداخل الأراضي الحدودية بين البلدين لتمرير دعم لوجيستي وعسكري لأكثر ذراع مهيمن لها بالمنطقة، "حزب الله" اللبناني (المحظور من قبل الحكومة في بيروت)، ومع سقوط نظام الأسد انقطع الممر السري وأغلق معه أكثر أبواب الإمداد البري يسراً وسلاسة.
ولم يتوقف هذا الطريق الحدودي عن نشاطه فحسب، بل سعى الجيش السوري مع الأجهزة الأمنية إثر قدوم السلطات الجديدة، إلى إنهاء أية وسائل وطرق أو ممرات تصل إلى الحدود مع لبنان، وجفّفت معها كل المنابع الخطرة التي تسعى إلى استغلال المنطقة لتهريب السلاح والذخيرة ومنها الأسلحة النوعية بخاصة مع بسط حكومة دمشق نفوذها على المنطقة الشرقية بشكل كامل، وبات من المستحيل عودة أي نشاط جديد لطرق التهريب.
في غضون ذلك سجلت القوى الأمنية ضربة قاسية للفصائل الموالية لإيران إثر إحباطها الخميس الماضي محاولة تهريب شحنة من الأسلحة النوعية عبر الحدود العراقية، شرق البلاد، وقالت في بيان إن "شحنة الأسلحة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لصالح 'حزب الله'".
بالمقابل نفى "حزب الله" بشكل قطعي الاتهامات الصادرة من دمشق، وأكد مكتب العلاقات الإعلامية للحزب عدم وجود نشاط له داخل سوريا، ولفت في معرض رده على الاتهامات الموجهة إليه بأنها مزاعم واهية، ولا تعدو كونها روايات مختلقة لا أساس لها من الصحة "وباطلة جملة وتفصيلاً".
عودة الطريق الخفي
في غضون ذلك تتسارع مؤشرات التقارب بين بغداد ودمشق على المستويين السياسي والاقتصادي (يتشاطر البلدان حدوداً برية تبلغ أكثر من 600 كيلومتر)، ولا سيما بعد فتح المعابر الحدودية أبوابها بعد إغلاق طال انتظاره في خطوة نحو إعادة تشكيل حركة التجارة، وتدفق الطاقة بخاصة مع إغلاق إيران مضيق هرمز.
وأخذت شحنات النفط تشق طريقها الصحراوي إلى سوريا، حيث يربط بينهما معابر برية عدة من أبرزها (اليعربية، ربيعة) إلى جانب معبر (البوكمال، القائم)، ومعبر (التنف، الوليد) للوصول إلى مرافئ التصدير، وهذا منح تلك الشاحنات حركة مرور شبه مرنة، وثغرة يستفيد منها عرّابو التهريب عبر الشاحنات النفطية (الصهاريج) العابرة عبر الأراضي السورية.
إزاء ذلك جاءت عملية إحباط شحنة السلاح بعد رصد لفرق الأمن السوري مركبة متوقفة ضمن النطاق الحدودي بين سوريا والعراق مما أثار الاشتباه وخضعت للتفتيش، ليتم اكتشاف صيد ثمين حيث تضم الشحنة صواريخ بعيدة المدى وصواريخ موجهة مضادة للدروع، إلى جانب طائرات مسيّرة.
والتحقيقات الأولية في حينها كشفت ضمن الأدلة والقرائن التي جمعت خلال العملية بأن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لصالح ميليشيات "حزب الله" بحسب وزارة الداخلية التي قالت في بيانها بعد إحباط العملية "لن تسمح سوريا باستغلال أراضيها ممراً أو منطلقاً لتهريب الأسلحة، أو تنفيذ أي أنشطة تهدد أمن البلاد أو دول الجوار".
الأزمات المركبة
بالأثناء يجزم الباحث المشارك في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، مصطفى النعيمي في حديثه لـصحيفة "اندبندنت عربية" بأن طرق الشحن ما بين كل من بغداد وبيروت قد قطعت منذ اللحظة الأولى لتحرير العاصمة دمشق، ومن ثم كل ما يحصل من محاولات عبثية من قبل محور إيران وأدواته المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط ووكلائها من مجموعات مناصرة لها على المستويين السياسي والأمني والاستخباري والعسكري تدلّل على أن هذه المجموعات قد واجهتها أزمات مركبة، وتحاول التنقل ما بين تلك الأزمات من خلال دفع مجموعات لعملية نقل أو تهريب الأسلحة عبر ناقلات النفط كاستراتيجية جديدة من أجل إمداد هذه المجاميع بالأسلحة.
وتابع "لكن إلى أي مدى ستبقى تلك المجموعات على إصرارها بعد عملية إلقاء القبض على سائق الصهريج، والوصول إلى بيانات حول شبكات التهريب في الداخل العراقي، أعتقد بأن الخطاب السياسي قد تغير ما بين زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني إلى بيروت، وباتت الرسائل إيجابية في محاولة احتواء التصعيد الدولي ضد 'حزب الله' في لبنان وذلك عبر فتح ثغرة الحوار، لكن ما بعد تلك الشحنة تغير الخطاب السياسي السوري".
ويتوقف الباحث في الشؤون الإيرانية عند نقطة وردت في بيان وزارة الداخلية في دمشق، إذ يرى أنه لأول مرة يصف بيان الداخلية "حزب الله" بـ"الميليشيات" وهذا سيتبعه متغيرات لا تقتصر فقط على "حزب الله"، وإنما على المحور برمته بحسب رأيه، ويعتقد في الوقت ذاته أن "إيران لن تنكفئ عن العبث مجدداً في الساحة السورية، لكن مذكرات الاحتجاج ستكون عالية وقاسية تجاه الجانب العراقي من أجل ضبط الحدود من طرفه".
خريطة طريق
في المقابل ليست الأسلحة وحدها ما يصل إلى أذرع إيران في لبنان، بل الأموال أيضاً عبر طرق غير قانونية كجزء أساس من دعم "المقاومة" اللبنانية بهدف توسيع نفوذها بالمنطقة، كذلك فإن الطرق البرية ليست الشكل الوحيد لتهريب السلاح المتطور إلى لبنان، فقد استخدمت طهران في ذروة حضورها أثناء النزاع المسلح (2011 ـ 2024) ممرات بحرية وجوية، وطرقاً غير متوقعة لكنها توقفت جميعاً مع خروج سوريا من معادلة التهريب مع وصول سلطة جديدة.
ومع هذا تزداد القبضة الأمنية من قبل القوات المسلحة السورية على طول الحدود اللبنانية 375 كيلومتراً لسد طرق التهريب والممرات غير الشرعية، حيث ما زالت هذه الطرق تعمل على تهريب البشر بخاصة من تسلل هرباً من وجه العدالة، ومع وصول أجهزة مسح متطورة يعمل الجيش السوري وحرس الحدود على ضبط المنطقة وإعادة تموضعه فيها.
ويرى الباحث في الشأن الإيراني النعيمي أن سوريا تتعافى من الإرهاب المرتبط بالمحور الايراني لكن العراق ما زال يعاني رواسبه، ويعتقد بأن زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى واشنطن ستشهد انعكاسات على الساحة الميدانية بدءاً بعملية سحب سلاح الجماعات والفصائل، وليس انتهاء بمحاربة من سيرفض هذه الرؤية، وأضاف "لكن إلى أي مدى سينخرط الزيدي ضمن مشروع الولايات المتحدة هذا هو السؤال الأبرز اليوم، وأنا أعتقد بأن الزيدي أصبح أمام معادلات جديدة: إما التموقع بصف الولايات المتحدة أو العودة الى عمقه العقدي المرتبط بطهران، وسيصل قريباً إلى الحائط المسدود".
ويتساءل في الوقت نفسه "كيف سيوازن انعكاسات ما يحدث، التي لا تقتصر فقط على الساحة العراقية وإنما الإقليمية والدولية، نظراً إلى أن إيران وجهت بعض الرسائل على المستوى الاقتصادي بأن من يرفض الإذعان إلى مطالبنا سيكون هدفاً، ومسار النفط البديل الذي يعمل من خلاله على تصدير أكثر من مليوني برميل نفط يومياً سيكون عرضة للضربات الإيرانية، ومن ثم مسارات الضغوط المتعددة التي تستخدمها إيران ستقابلها ضربات ساحقه أميركية بدءاً بالساحة العراقية وليس انتهاء في العمق الإيراني".
وإلى ذلك حاولت طهران تسجيل مواقف مع كل التطورات الحاصلة عبر إعلان الحرس الثوري قصف قاعدة "التنف" أو ما يطلق عليه قاعدة (55) كيلومتراً وهي قاعدة عسكرية كانت سابقاً تحت سيطرة الجيش الأميركي وتسلمتها الحكومة السورية في فبراير (شباط) الماضي مع انسحاب كامل للجيش الأميركي، في حين نفت واشنطن ودمشق استهداف القاعدة، ولتبقى هذه الرسالة إعلامية كنوع من التهديد المبطن لتطورات جذرية من المتوقع أن تشهدها الساحة السورية واللبنانية، ولعل أهمها نزع سلاح "حزب الله" اللبناني.