لندن - سدن
رأت الباحثة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والمسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إليزابيث دينت، أن العراق يقف أمام مرحلة حاسمة، محذرة من أن استمرار هجمات الميليشيات الموالية لإيران قد يدفع الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين إلى توسيع عملياتهم العسكرية داخل المنطقة، وربما داخل العراق نفسه.
وقالت دينت، خلال مقابلة مع (اندبندنت) عربية، إن واشنطن تمتلك خيارات متعددة لزيادة الضغط على إيران، تبدأ بتكثيف الضربات الجوية ضد وكلائها، ولا تستبعد، إذا استمرت المواجهة، اللجوء إلى خيارات عسكرية أوسع قد تقود إلى تصعيد إقليمي كبير.
وأضافت أن الإدارة الأميركية تسعى حالياً إلى إعادة ترميم قوة الردع، وتعزيز الدفاعات الجوية، وحماية القوات الأميركية وحلفائها، إلى جانب مواصلة استهداف الجماعات المسلحة المدعومة من طهران.
وتوقفت دينت عند الضربات التي نفذتها السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم)، ضد مواقع للميليشيات الموالية لإيران، معتبرة أنها لم تكن مجرد رد عسكري على استهداف المنشآت النفطية السعودية، بل حملت رسالة سياسية وأمنية مباشرة إلى الحكومة العراقية.
وقالت إن تلك الضربات تمثل إنذاراً واضحاً لبغداد بضرورة وقف الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية، والإسراع في تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، قبل أن تتوسع دائرة الاستهداف.
وأضافت أن الرياض رسمت خطاً أحمر أمام استمرار الاعتداءات على منشآتها، وهو ما يزيد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لتنفيذ تعهداته السابقة بحصر السلاح بيد الدولة.
ورغم إبدائها اعتقاداً بأن الزيدي جاد في هذا الملف، فإنها أشارت إلى أن جميع الحكومات العراقية السابقة رفعت الشعار نفسه، لكنها أخفقت في فرضه على الأرض.
ورأت الباحثة الأميركية أن الموقف الأخير لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الرافض لجر العراق إلى الحرب، قد يمنح الحكومة زخماً سياسياً وشعبياً في مواجهة الفصائل المسلحة.
وأوضحت أن الصدر لا يمثل مجرد زعيم سياسي، بل يمتلك تأثيراً دينياً واجتماعياً واسعاً، ما يجعل دعمه لحصر السلاح عاملاً مهماً في بناء رأي عام مؤيد لاحتكار الدولة للقوة.
في المقابل، توقعت أن تتحرك إيران عبر شبكاتها داخل العراق لإفشال أي محاولة لتقليص نفوذ الميليشيات أو تجريدها من السلاح.
وأكدت دينت أن أجهزة الاستخبارات الأميركية باتت تمتلك معلومات دقيقة عن تحركات الميليشيات العراقية، أكثر مما تملكه بشأن الحوثيين في اليمن أو بعض الوحدات العسكرية الإيرانية.
وأضافت أن تلك الجماعات أصبحت مكشوفة بدرجة كبيرة، وأن القيادة المركزية الأميركية قادرة على استهدافها بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، مرجحة أن يشهد العراق خلال المرحلة المقبلة مستوى أعلى من التعاون الأمني والاستخباري لملاحقة هذه الفصائل.
وفي الملف البحري، دعت دينت إلى تشكيل تحالف دولي واسع لحماية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، مؤكدة أن أمن هذه الممرات لا يخص الولايات المتحدة أو أوروبا وحدهما، بل يمثل مصلحة عالمية.
وقالت إن الدول الأوروبية والآسيوية مطالبة بالمشاركة الفعلية عبر السفن والمعلومات الاستخبارية والقوات، معتبرة أن أي تحالف يقتصر على الغرب لن يكون كافياً لردع التهديدات الإيرانية.
واعتبرت الباحثة الأميركية أن بكين تنظر إلى الصراع من زاوية المصالح، وترى في انشغال الولايات المتحدة بحرب طويلة في الشرق الأوسط فرصة استراتيجية.
وأضافت أن الصين لا تبدو متحمسة للضغط على إيران ما دامت لا تتحمل كلفة كبيرة من اضطراب الملاحة، بينما تراقب استنزاف القدرات العسكرية الأميركية في المنطقة، وهو وضع وصفته بأنه منخفض المخاطر وعالي المكاسب بالنسبة لبكين.
ويرى مراقبون أن تصريحات دينت تعكس جانباً من النقاش الدائر داخل المؤسسات الأميركية، حيث يتزايد الحديث عن أن التركيز لم يعد منصباً على إيران وحدها، بل على شبكتها الإقليمية من الميليشيات، وفي مقدمتها الفصائل المسلحة في العراق، التي قد تجد نفسها في قلب أي مرحلة عسكرية مقبلة إذا استمرت الهجمات العابرة للحدود.