لندن - سدن
في الوقت الذي كثفت فيه إيران اتصالاتها مع عدد من العواصم الإقليمية خلال الساعات الماضية، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه على القيادة الإيرانية، متهماً إياها بـ"الخداع بشكل لا يصدق"، ومؤكداً أن طهران تطلب عقد اجتماعات مع واشنطن، ثم تنفي ذلك أمام الرأي العام.
وقال ترامب، في تصريح نشره قبل قليل، إن القيادة الإيرانية تطلب عقد اجتماع، بل إن البعض قد يقول إنها تتوسل إليه، مضيفاً أن المسؤولين الإيرانيين يبدأون المحادثات، ثم يخرجون لاحقاً لينكروا وجود أي اتصالات، ويؤكدوا أنهم لا يتحدثون إلا مع سلطنة عمان.
وأضاف أن طهران تواصل الحديث عن سيطرتها على مضيق هرمز، بينما يخضع المضيق بالكامل لسيطرة البحرية الأمريكية، مؤكداً أن لا شيء يصل إلى إيران إلا إذا أردنا نحن ذلك، ولن يصل إليها شيء ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، أو استسلام كامل.
وجدد الرئيس الأمريكي موقفه الرافض لامتلاك إيران السلاح النووي، قائلاً إن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً.
وتزامنت تصريحات ترامب مع نشاط دبلوماسي لافت تقوده طهران، إذ كشفت معلومات متداولة أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، اتصالات متكررة مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى جانب اتصالات مكثفة مع المسؤولين العُمانيين، في تحركات تؤكد وجود مفاوضات أو وساطات تجري بعيداً عن الأضواء.
ويرى الطبيب النفسي المتخصص في علم النفس السياسي عمر الهارون أن تصريحات ترامب لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انفعالات أو ردود فعل شخصية، بل تمثل جزءاً من أسلوب متعمد في الحرب النفسية.
وقال لـ(سدن) إن الرئيس الأمريكي لا يهاجم النظام الإيراني فقط، بل يحاول تقويض صورته أمام شعبه وأتباعه، عبر تكرار أوصاف مثل (الخداع) و(التوسل) و(الضعف)، موضحاً أن تكرار هذه الرسائل يترك أثراً نفسياً أكبر من التصريحات التقليدية، لأنه يهدف إلى نزع الهيبة التي سعى النظام الإيراني إلى ترسيخها لعقود.
وأضاف أن استخدام كلمات تحمل طابع السخرية أو التقليل من شأن الخصم ليس أمراً عفوياً، وإنما يدخل ضمن إستراتيجيات الضغط النفسي التي تستهدف التأثير في إدراك الجماهير قبل التأثير في موازين القوى العسكرية.
من جانبه، قال المحلل السياسي السوري سلامة الدوار، إن تصريح الرئيس ترامب اليوم يتجاوز حدود التصعيد الإعلامي، لأنه تضمن رسالة سياسية مباشرة مفادها أن واشنطن تمتلك قنوات تواصل مع طهران، حتى وإن أصرت الأخيرة على نفي ذلك.
وأوضح لـ(سدن) أن تزامن هذه التصريحات مع الاتصالات المكثفة التي يجريها عراقجي مع الرياض وإسلام آباد وأنقرة ومسقط يوحي بأن المنطقة تشهد حراكاً دبلوماسياً غير مسبوق، ربما يرتبط بمحاولة احتواء مواجهة أكبر، أو التوصل إلى تفاهمات مؤقتة بشأن الملفات الأمنية والعسكرية.
وأضاف أن سلطنة عُمان بقيت لعقود القناة الأبرز للرسائل غير المباشرة بين واشنطن وطهران، إلا أن انضمام السعودية وتركيا وباكستان إلى هذا الحراك خلال فترة زمنية قصيرة قد يشير إلى أن الأزمة الحالية تجاوزت الإطار الثنائي، وأصبحت قضية إقليمية تتطلب تنسيقاً واسعاً.
ويرى مراقبون أن تصريحات ترامب الأخيرة تحمل بعداً آخر، يتمثل في محاولة إحراج القيادة الإيرانية أمام الداخل الإيراني، من خلال الإيحاء بأنها تفاوض الولايات المتحدة سراً، بينما تواصل خطابها العلني الرافض لأي حوار مباشر، وهو ما قد يفسر اللهجة الحادة التي استخدمها الرئيس الأمريكي في حديثه عن (الخداع) و(التوسل).
وبين التصعيد الكلامي غير المسبوق، والحراك الدبلوماسي المتسارع، تبدو المنطقة أمام مرحلة تتداخل فيها الحرب النفسية مع الوساطات السياسية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تمهد هذه الرسائل المتبادلة لاتفاق جديد، أم أنها مجرد جولة أخرى تسبق تصعيداً أكبر؟