بغداد - سدن
في وقت يواجه فيه العراق واحدة من أصعب أزماته المالية، وتكافح الحكومة لتأمين رواتب ملايين الموظفين، تكشف التطورات الأخيرة أن طهران لم تتردد في تقديم مصالحها الاستراتيجية على حساب لقمة العراقيين، بعدما امتنعت عملياً عن تنفيذ وعودها بالسماح بمرور صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، رغم التعهدات التي قدمتها لبغداد.
وجاء هذا الإقرار على لسان المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، الذي أكد في مقابلة تلفزيونية أن العراق تلقى تطمينات مباشرة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باستثناء صادراته النفطية من قيود المرور عبر مضيق هرمز، إلا أن تلك الوعود بقيت حبراً على ورق، إذ لا تزال ناقلات النفط العراقية عاجزة عن الاستفادة من هذا الاستثناء.
وأضاف العبودي أن الجانب الإيراني أبلغ بغداد صراحة أن تطبيق استثناء فعلي للعراق من شأنه أن يضعف قيمة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة خصومها، وهو ما يعني عملياً أن إيران فضلت الاحتفاظ بأداة الضغط الخاصة بها، حتى لو كان الثمن خنق الاقتصاد العراقي.
وتنسف هذه التصريحات الرواية الإيرانية التي روجت لها طهران قبل أشهر، عندما أعلنت أن العراق سيكون مستثنى من أي قيود في مضيق هرمز، لتتضح اليوم حقيقة مختلفة، مفادها أن الاستثناءات الإيرانية تنتهي عندما تتعارض مع المصالح الإيرانية.
ويأتي ذلك في وقت يزداد فيه الضغط المالي على بغداد نتيجة تراجع الإيرادات النفطية، ما دفع الحكومة إلى توضيح أن استمرار تعطل جزء من صادرات النفط بسبب الموقف الإيراني يمثل أحد العوامل المؤثرة في الأزمة المالية الحالية.
ويرى رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان الشمري أن الموقف الإيراني لا ينفصل عن حسابات النفوذ الإقليمي، إذ تسعى طهران إلى إبقاء أوراق الضغط بيدها، وعدم تقديم أي استثناء يمكن أن يضعف قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة تفاوض في مواجهة خصومها، بالتزامن مع رغبتها في تذكير بغداد بأن القرار النهائي في كثير من الملفات لا يزال يمر عبر طهران.
أما الكاتب والصحافي فلاح المشعل، فيؤكد أن ما حدث ليس مفاجئاً، لأن السياسة الإيرانية تقوم، منذ سنوات، على تقديم مصالحها القومية والاقتصادية فوق أي اعتبار، حتى عندما يتعلق الأمر بالعراق، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط لتمويل موازنته ورواتب مواطنيه، مشيراً إلى أن التجربة أثبتت أن طهران تتعامل مع الملفات الاقتصادية بوصفها أدوات ضغط سياسية متى اقتضت مصالحها ذلك.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة كشفت مرة أخرى هشاشة الشعارات التي طالما رفعتها القوى الموالية لإيران داخل العراق بشأن (وحدة المصير)، إذ لم تمنع تلك الشعارات طهران من تعطيل شريان الاقتصاد العراقي عندما تعارض مع حساباتها الخاصة، في مشهد يؤكد أن المصالح الوطنية الإيرانية تتقدم دائماً على أي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، حتى لو كان المتضرر الأول هو العراق وشعبه.