مآل

فكرة (المخلّص) والعنف المقدس

5 أغسطس 2026
فكرة (المخلّص) والعنف المقدس

إذا تركنا الأسباب الجيوستراتيجية الحقيقية للحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وذهبنا للبحث في الدوافع الدينية والأيديولوجية الخفية، أو بالأحرى التي لم تعد تخفى على المتابعين، والتي تحرض على المزيد من التوترات بين الجانبين فإننا يمكن أن نرصد الكثير من التشابه بين أيديولوجيتين متشابهتين، حد التطابق، بالنظر للوسائل والإجراءات، ومختلفتين، حد التباين، بالنظر للأهداف والمآلات.

بالنسبة للجانب الأمريكي الإسرائيلي يمكن الإحالة على ما ترسخ لدى الصهيونيتين الدينيتين: المسيحية واليهودية من أفكار حول «المسيح المخلص»، مع بعض الخلافات في التفاصيل، حيث يقوم المعتقد اليهودي على أساس أن هذا المخلص يأتي للمرة الأولى، لأنه لم يأت بعد، وأنه سيكون «ملك إسرائيل»، يبيد أعداءها، فيما يقوم المعتقد المسيحي على أساس أن المخلص سيرجع، بما أنه قد جاء من قبل، وسيقيم «مملكة السماء»، وسيتحول اليهود إلى المسيحية، ومن رفض سيهلك، ولن يدخل مملكة السماء. وهنا تُعد الفروق بين المعتقدين هامشية، إذا ما نظرنا إلى أن كلتا الصهيونيتين تجمعهما الأهداف البعيدة للصهيونية السياسية التي تتجاوز الفروق الدينية بينهما، فيما يخص المسيح.

وإذا فصلنا قليلاً سنجد أن الصهيونية اليهودية تؤمن بالعنف طريقاً لتحقيق الهدف، وهو «عنف ديني» يستمد مشروعيته من بعض نصوص العهد القديم التي تدعو إلى الإبادة الجماعية: «فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرم كل ماله، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحمارا». وهنا يتجلى العنف سبيلاً وحيداً لإقامة «مملكة إسرائيل» التي ستتوج بمجيء «المسيح القومي اليهودي» الذي سيقيم هذه المملكة، بالمزيد من القتل والدم، والتي بقيامها «يَنتهي بكاء الرب، وندمه على تفريطه في حق شعبه المختار، فتُمطِر السماء فطيرًا وملابس مخيطة، وهذه هي الدينونة الكبرى، ولا دينونة بعدها»؛ حسب نصوص التلمود، حيث القيامة هي قيامة مملكة إسرائيل، وهي الجنة الحقيقية، التي تكون ناراً على أعدائها من الأمم الأخرى، انتقاماً منهم، لأنهم تسببوا في «شتات بني إسرائيل واضطهادهم».

تكمن قدسية العنف هنا في أنه يمهد لمجيء «ملك إسرائيل»، وهو عنف مبرر، لأنه يؤدي إلى قيام مملكة شعب الله المختار الذي «يبكي الرب لشتاته، ويفرح لاجتماعه، وقيام دولته»، وغيرها من أفكار تكمن خطورتها في أنها خرجت من بطون التلمود والأسفار والكتب الدينية الصفراء، لتجلس – اليوم – على كراسي الكنيست، وتدخل الحكومة، وتصل إلى قمة الهرم في دولة الاحتلال.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن «اليهودية الصهيونية» هي التي تتبنى هذه الأفكار، بينما تقوم «اليهودية الأرثوذوكسية» التقليدية على الفكرة اليهودية القائمة على منع قيام أية دولة لإسرائيل إلى أن يأتي «المسيح»، أو «ملك إسرائيل»، الذي لا بد لمجيئه من أن يكون اليهود في حالة مزرية من الاضطهاد والظلم الذي يمارس عليهم، واللازم لمجيء المسيح اليهودي الذي يقيم لهم «مملكة إسرائيل»، ويدمر كل أعدائها.

وفي المقابل ترى «المسيحية الصهيونية» – كذلك – في العنف السبيل الوحيد لعودة المسيح، وتعج السرديات المسيحية بنصوص كثيرة عن «هرمجدون»، والمعارك التي تسبق عودة المسيح الذي سيهبط على أنهار من الدماء، في رجعته التي سيهلك فيها كل من ليس مسيحياً، وهو العنف المشترك الذي تتبناه الصهيونيتان: اليهودية والمسيحية اللتان تستندان إلى نصوص العهد القديم، على وجه التحديد.

وإذا تجاوزنا الحديث عن الصهيونيتين المذكورتين، وبالنظر إلى أيديولوجيا «ولاية الفقيه» نجد أن تلك الأيديولوجيا تشبه إلى حد كبير، في محتواها محتوى العقائد الدينية الأخرى التي تنتظر مخلصاً، ولكنها في هذه الحال تنتظر عودة، على الطريقة المسيحية، أي أنها تنتظر مخلصاً جاء من قبل، ثم غاب وسيعود، كالمسيح الذي جاء، ثم صلب، وارتفع، وسيعود مرة أخرى، حسب المعتقد المسيحي. وهنا تنتظر «الشيعية الجهادية» «رجعة مسيحها الخاص» أو «فرج مهديها» الذي اقتبست له تلك الجهادية صورة المسيح في غيبته ورجعته، وفي إهلاك الأعداء الذين هم غير المسيحيين، في حال المسيح، وغير الشيعة، في حال المهدي.

والغريب أنه لا بد لعودة «المهدي الشيعي» من أن تسيل أنهار من الدماء اللازمة لتلك العودة، والغريب – كذلك – أن «الشيعية التقليدية» تشبه هنا «اليهودية الأرثوذوكسية» التي تؤمن بعقيدة «انتظار المسيح»، وترفض قيام «دولة إسرائيل»، قبل رجعة المسيح، وترفض الصهيونية، وتعتبرها خروجاً على اليهودية الحقيقية، والأمر ذاته بالنسبة للشيعية التقليدية التي تعتنق – كذلك – فكرة «انتظار المهدي»، وترفض قيام أية دولة للشيعة، قبل عودة المهدي، وترفض فكرة «ولاية الفقيه» التي طورت مفهوم «نائب الإمام»، وأقامت دولة قبل مجيء «المهدي»، أو «المسيح الشيعي» المنتظر.

واللافت هنا «مركزية العنف» لدى الأيديولوجيات الدينية المختلفة، وهو عنف مقدس، لأنه يؤدي إلى تحقيق «هدف نبيل لطائفة معينة من الناس»، أو لنقل سلالة بعينها، «شعب الله المختار»، كما لدى «الصهيونية اليهودية»، أو «أهل البيت الأطهار»، كما لدى «ولاية الفقيه»، حيث العنف هو الطريق الوحيد للخلاص.

وبطبيعة الحال فإن هذه الأيديولوجيات، وهذه الأفكار لم تولد من فراغ، ولكنها تستمد استمراريتها، وتبني مشروعيتها على أسس دينية عقدية، مؤسسة على نصوص مقدسة لدى الطرفين، وهذه النصوص كانت وليدة لحظات تاريخية ضاغطة مرت بها الطوائف الدينية المختلفة في اليهودية والمسيحية والإسلام، الأمر الذي تولدت عنه هذه النصوص المشحونة بالعنف والكراهية.

بقيت الإشارة إلى أن «فكرة المخلص» موجودة لدى طوائف دينية مختلفة، ولكن حجماً مهولاً من العنف يكتنف هذه الفكرة لدى التيارات التي تؤمن بمجيء «المسيح اليهودي»، أو رجعة «المسيح المسيحي»، أو فرج «المهدي الشيعي». كما أن هذه الأفكار، وإن كانت تعد روافع دينية للحرب، لدى ملايين من الأتباع، إلا أن الأهداف الحقيقية للحرب هي في مجملها أهداف سياسية واقتصادية تدور حول الهيمنة والتوسع والسيطرة على مزيد من الموارد الاقتصادية التي لا علاقة لها باليهودية أو المسيحية أو الإسلام، وإن تم إخفاء هذه الأهداف تحت الشعارات والنصوص الدينية.

شارك المقال f 𝕏 in