مآل

النفط ملك الشعب:
حق المواطن في مقاضاة الدولة للمطالبة بحصته المالية المباشرة!

د.أحمد فاتح محمد
19 سبتمبر 2026
النفط ملك الشعب:
حق المواطن في مقاضاة الدولة للمطالبة بحصته المالية المباشرة!

حين يقرر المشرع الدستوري في المادة (111) من الدستور العراقي أن النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي، فإنه يضعنا أمام التزام قاعدي آمر ينتمي إلى صلب النظرية العامة للقانون الدستوري، لا أمام عبارة بلاغية أو إنشاء سياسي فارغ من المحتوى الإلزامي. 

فالقاعدة الدستورية في جوهر فلسفتها، هي أسمى مراتب التعبير عن إرادة الجماعة السياسية، وما يصدر عنها من تقرير للحقوق يرتب بالضرورة مراكز قانونية مستقرة، لا يجوز للسلطة الحاكمة، تشريعية كانت أم تنفيذية، تفريغها من أثرها الوضعي والعملي.

كما إن التكييف الفقهي السليم لمفهوم الملكية في هذا الموضع يتجاوز التصور التقليدي للقانون المدني، فالمالك هنا ليس شخصاً معنوياً مجرداً يدعى الدولة، بل هو مجموع الأفراد الطبيعيين الذين تتشكل منهم الأمة، وعليه فإن علاقة مؤسسات الحكم بالثروة النفطية ليست علاقة مالك بملكه، وإنما هي علاقة أمين على إدارة مال غيره أو وكيل عام تحكمه ضوابط عقد الائتمان العام.

وإذا كانت الوكالة تقوم في أصلها النظري على التزام الوكيل بتحقيق مصلحة الأصيل وتقديم الحساب الدوري له، فإن تحول الريع النفطي إلى أداة للهدر السياسي خارج الرقابة الفعلية للمالكين الحقيقيين يشكل انحرافاً جسيماً بالسلطة، وخرقاً للغايات الجوهرية التي شرعت من أجلها الوثيقة الدستورية.

ومن هذا المنطلق الفلسفي ينبثق السؤال الإجرائي الأهم في فقه القانون العام: هل يحوز المواطن الفرد صفة ومصلحة قانونية قائمة لمقاضاة الدولة والمطالبة بحصته المالية المباشرة؟

إن الفقه الدستوري الحديث، المستند إلى فكرة دولة القانون وخضوع الحاكم للمشروعية، يقرر بأن تعطيل النصوص الضامنة للحقوق الاقتصادية الذاتية يمنح صاحب الحق ولاية اللجوء إلى القضاء الدستوري، فالدعوى في هذا المقام لا تؤسس على استجداء منحة حكومية، بل تستند إلى حماية مركز قانوني مكتمل الأركان للمواطن بوصفه شريكاً على الشيوع  في ملكية دستورية واجبة النفاذ.

وإذا كانت المحكمة الاتحادية العليا معنية بصيانة الدستور وحماية الحقوق، فإن سكوت المشرع عن تنظيم توزيع هذه العوائد يعد امتناعاً تشريعياً غير مشروع يرتب ضرراً مادياً مباشراً يمس الذمة المالية للأفراد.

إن فكرة القانون لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد الصياغة الصماء، بل بمدى مطابقتها لقواعد العدل التوزيعي، وحين يتحول نص المادة (111) إلى مجرد رمز معطل بينما يعيش المالك في العوز، فإن العقد الدستوري برمته يتهدد بالسقوط، فالشعب الذي هو مصدر السلطات لا يمكن، وفق المنطق القانوني السليم، أن يجرد من ثمار ملكيته المشروعة، ومقاضاة الدولة هنا هي الاختبار الفعلي لسيادة القانون.

شارك المقال f 𝕏 in