في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة عشر عاماً، تعرفت إلى مسعود.
شاب يفيض حيوية، ووطنية، وحماساً للحياة، ومن أول لقاء، كان يملك تلك القدرة النادرة على أن يجعلك تشعر أنك تعرفه منذ سنوات، لا منذ دقائق.
ثم توالت لقاءاتنا بين عمان ولندن، حتى كان آخرها في إسطنبول قبل ثلاثة أعوام.. ولم أكن أتخيل أنه سيكون الأخير.
كان في مسعود شيء لا يشترى ولا يكتسب.. انه الدفء.. دفء حقيقي، فهو من أولئك الذين إذا اتصلوا بك، لا يبدأون بالسؤال عنك، بل عن أبيك وأمك، وخلال أيام جائحة كورونا، كان والدي، "شبه محتجز" معي في إسطنبول، وفي كل مكالمة تقريباً، كان يوصيني بلهجته العراقية الودودة التي ما زالت ترن في أذني: أبوك.. أبوك يا محمد.. دير بالك على الأستاذ هارون"، كان يقولها وكأن أبي، هو أبوه أيضاً، ولذلك، لم يكن غريباً أن يحبه الناس بسرعة.
دخل مسعود السياسة بكل صدقه، وبكل نقائه، وأذكر أنني قلت له ذات يوم: اعتزلها.. لأنك لن تستطيع أن تلوث نفسك، حتى لو أردت، ابتسم يومها، وقال بثقة: لا.. لا بد من المواجهة، ولا بد من السعي إلى التغيير.
كان يؤمن أن السياسة يمكن أن تكون رسالة، لكن السنوات كانت أقسى مما توقع، وفي لقاءنا الأخير باسطنبول، قال: ليتني سمعت كلامك.
لم يكن نادماً على خدمة وطنه، بل كان متعباً من عالم لا يكافأ النقاء.. ويستهلك أصحابه.
آخر مرة التقينا، طلب مني أن آخذه إلى أجمل مكان على البوسفور، وأخذته إلى حي (بيبك).
مشينا بمحاذاة البحر، بصمت طويل، لا يقطعه إلا صوت الأمواج، وفجأة التفت إلي وقال: تعرف يا أبو جاسم.. أمي توفيت وهي صغيرة.. شابة.. كانت تخبّل والله.
ثم عاد ينظر إلى البحر.. كانت جملة قصيرة، لكنها حملت عمراً كاملاً من الحنين.
واصلنا المشي حتى اكتشفنا أننا قطعنا 7 كيلومترات، قلت له ضاحكاً: لنجعلها عشرة.. واخذك الى الحي الذي أقام فيه الملك فيصل الأول خلال سنواته الاسطنبولية، فابتسم وهز رأسه قائلاً: صدق.. انت بطران.
ضحكنا.. ولم أكن أعلم أن تلك الضحكة ستكون الأخيرة بيننا.
وأذكر ليلة أخرى، كنا نحضر حفلاً فنياً، وكان معنا شقيقه العزيز عبدالله، نظر إلي وقال: عندما تعود للعراق، سأقيم لك حفلة أجمل من هذه بمئة مرة.
اختلفنا سياسياً في بعض المحطات.. نعم، لكن مشتركاتنا كانت أكبر من اختلافاتنا، ثم إن مسعود لم يكن يمنحك فرصة حقيقية لأن "تزعل" منه، كانت أخلاقه تسبق مواقفه، وابتسامته تسبق أي نقاش.
لم يكن مسعود يؤمن بعراق الطوائف، ولا بعراق المناطق، ولا بعراق التصنيفات الضيقة، كان يؤمن بعراق الإنسان، العراق الذي يجلس فيه الجميع إلى طاولة واحدة، من دون أن يسأل أحدهم الآخر: من أين أنت؟
كان إنساناً.. وهذه في زمننا، منزلة لا ينالها كثيرون.
كان نسمة هواء باردة في صيف لاهب.. وكان رائحة ورد، تمر بك بهدوء، ثم تبقى في ذاكرتك طويلاً.
رحمك الله يا مسعود..
ولعل أجمل ما أرجوه لك، أن تكون قد التقيت اليوم بأمك التي اشتقت إليها كل تلك السنين.