بغداد - سدن
دخلت الأزمة بين المليشيات الشيعية التابعة لإيران في العراق والمملكة العربية السعودية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، بعدما كشفت مصادر مطلعة لـسدن أن قرار الرد العسكري لم يلغ، وإنما جرى تجميده مؤقتاً بانتظار ما وصفته المليشيات بـ(الاختبار السياسي) لموقف الرياض، في وقت رفعت فيه الحكومة العراقية مستوى الجاهزية الأمنية والعسكرية في جميع أنحاء البلاد تحسباً لأي تطورات مفاجئة.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من الضربات السعودية الامريكية التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي، في واحدة من أخطر الأزمات الأمنية التي تشهدها المنطقة، وسط مخاوف من انزلاق العراق إلى مواجهة إقليمية جديدة، وهو ما كانت (سدن) قد حذرت منه في تقاريرها السابقة بشأن تصاعد احتمالات الصدام بين الدولة والفصائل المسلحة.
وقال مصدر مطلع إن الفصائل قررت تأجيل تنفيذ أي رد عسكري في الوقت الحالي، لكنها أبلغت الوسطاء بأن هذا القرار مؤقت، وأن مستقبل التصعيد سيتحدد وفق طبيعة الموقف السعودي خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن المليشيات وضعت سلسلة مطالب اعتبرتها شرطاً لإغلاق الملف، في مقدمتها إقرار رسمي من السعودية بالمسؤولية عن القصف، وتقديم اعتذار علني، وتعويض ذوي الضحايا، وتعويض الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة، إضافة إلى وقف ما تصفه بالتحريض الإعلامي السعودي ضدها.
وأكد المصدر أن عدم الاستجابة لهذه المطالب سيفسر داخل الفصائل على أنه رفض للتسوية، الأمر الذي قد يعيد خيار الرد العسكري إلى الواجهة.
وفي موازاة ذلك، أعلنت خلية الإعلام الأمني، بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة، رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي في مختلف القطعات العسكرية والأمنية، مع تنفيذ حركات وممارسات تدريبية لتعزيز جاهزية القوات وحماية الأمن والاستقرار.
غير أن مصادر أمنية أكدت لـ(سدن) أن الإجراءات تتجاوز الطابع التدريبي، وتشمل إلغاء إجازات القادة والآمرين، وإبقاء جميع التشكيلات في حالة استعداد مرتفعة، تحسباً لأي تطور أمني محتمل.
وبحسب المصادر، فإن رفع الجاهزية لا يرتبط فقط بتهديدات الفصائل، بل يأتي أيضاً بالتزامن مع اقتراب تنفيذ القرار السياسي الذي اتخذه ائتلاف إدارة الدولة والقاضي بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج المؤسسات الرسمية قبل نهاية أيلول المقبل، فضلاً عن استعداد الأجهزة المختصة لإطلاق مرحلة جديدة من ملاحقة المتهمين في ملفات الفساد.
وبحسب المحلل السياسي عبدالعزيز الدوري، فأن تزامن هذه الملفات الحساسة يضع رئيس الحكومة علي الزيدي أمام اختبار غير مسبوق، فهو مطالب بمنع أي تصعيد خارجي قد يجر البلاد إلى مواجهة إقليمية، والاستمرار في تنفيذ مشروع حصر السلاح وفرض سلطة الدولة، في وقت واحد.
ويرى الدوري، أن تجميد قرار الرد لا يعني تراجع احتمالات التصعيد، بل قد يكون مجرد هدنة تكتيكية لإفساح المجال أمام الاتصالات السياسية، لكن الأخطر أن تحويل الاعتذار والتعويضات إلى شروط مسبقة يرفع سقف الأزمة، ويجعل أي تعثر في الوساطات سبباً لإعادة إشعال المواجهة.
وفي ظل رفع الجاهزية العسكرية، تبدو بغداد وكأنها تستعد لكل الاحتمالات، خشية أن تتحول شرارة واحدة إلى أزمة تتجاوز حدود العراق وتمتد إلى الإقليم بأسره.