دمشق - سدن
فتح تبني جماعة تطلق على نفسها اسم (منبر أنصار الرسول) لتفجير مدينة جرمانا في ريف دمشق باباً واسعاً من التساؤلات، ليس فقط حول منفذي العملية، بل أيضاً حول حقيقة هذه الجماعة التي لم يكن لها أي حضور معروف قبل أسابيع قليلة، ثم ظهرت فجأة عبر بيانات تحريضية انتهت بإعلان مسؤوليتها عن أول هجوم دموي.
وبينما لم تصدر السلطات السورية حتى الآن أي نتائج رسمية بشأن هوية المنفذين أو الجهة التي تقف وراء التفجير، يرى مراقبون أن طبيعة ظهور هذه الجماعة، وخطابها، وطريقة إعلانها المسؤولية، تستدعي التوقف عندها باعتبارها جزءاً من التحقيق، وليس مجرد بيان تبن.
وتشير مراجعة للمحتوى المنشور عبر القناة المنسوبة إلى الجماعة إلى أن نشاطها بدأ قبل نحو ثلاثة أسابيع فقط من التفجير، عبر سلسلة بيانات اتسمت بالتصعيد التدريجي، وتركزت بالكامل تقريباً على مدينة جرمانا، مع خطاب تحريضي استهدف المكون الدرزي، قبل أن تعلن لاحقاً أن التفجير يمثل (الإنذار الثالث) ضمن ما وصفته بسلسلة عمليات سبق أن توعدت بتنفيذها.
ولا توجد حتى الآن أي معلومات موثقة عن قيادة الجماعة أو بنيتها التنظيمية أو مصادر تمويلها أو أماكن انتشارها، كما لم تعلن أي جهة أمنية سورية امتلاكها أدلة تؤكد صحة بيان التبني أو تربطه بالتحقيقات الجارية.
ويكشف التسلسل الزمني للبيانات أن أول ظهور للجماعة كان في منتصف تموز الماضي، عبر منشورات دينية أعقبها بيان حمل لغة تهديد مباشرة، قبل أن تتوالى البيانات التي اتسمت بلهجة أكثر تشدداً، وصولاً إلى الحديث عن امتلاك ما سمته (ذراعاً سيبرانية) تجمع معلومات شخصية عن سكان جرمانا، في تطور اعتبره متابعون مؤشراً على تصعيد مدروس سبق التفجير.
وبعد ساعات من الانفجار، سارعت الجماعة إلى نشر بيان أعلنت فيه مسؤوليتها عن العملية، ووصفتها بأنها إحدى مراحل ما سمته (الإنذارات)، متوعدة بتنفيذ عمليات أخرى، في وقت لم تؤكد فيه السلطات السورية صحة هذا الادعاء أو علاقته بالجهة المنفذة.
تنظيم حقيقي أم واجهة؟
وبحسب المعطيات السياسية والأمنية، فأن ظهور جماعة مجهولة تحمل اسماً لم يكن معروفاً سابقاً، وتبنيها السريع للهجوم، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تنظيماً قائماً بالفعل، أم مجرد واجهة إعلامية أُنشئت لإخفاء هوية الجهة المنفذة، وفي ظل عدم اكتمال التحقيقات الرسمية، تتداول الأوساط الأمنية والسياسية فرضيات متعددة، من بينها احتمال وقوف جهات تمتلك خبرة استخباراتية وتنظيمية خلف العملية، إلا أن أياً من هذه الفرضيات لم تثبت حتى الآن، كما أن استخدام أسماء جديدة وغير معروفة لتبني العمليات المسلحة ليس أمراً جديداً في المنطقة، إذ كثيراً ما استخدمت مثل هذه المسميات لإرباك التحقيقات أو تضليل الرأي العام أو إبعاد الأنظار عن الجهة التي خططت للعملية ونفذتها.
واستبعد الدكتور احمد الميداني، أحد علماء الدين السوريين، في حديث لـ(سدن)، أن تكون هذه الجماعة التي تحمل اسم (منبر أنصار الرسول) ذات مرجعية إسلامية حقيقية، معتبراً أن اختيار الاسم يتناقض مع طبيعة الهدف الذي تعرض للهجوم.
وقال، إذا كان من يقف وراء العملية يزعم أنه من أنصار رسول الله ﷺ، فكيف يزرع عبوة ناسفة تستهدف حافلة نقل عام لا تميز بين طفل وامرأة ورجل، ولا بين مسلم وغير مسلم؟ ان هذا لا يمت إلى أخلاق الإسلام ولا إلى سيرة النبي بصلة، بل هو سلوك يقوم على القتل العشوائي، وهو ما حرمه الإسلام بصورة قاطعة.
وتابع أن الجماعات التي تتبنى مثل هذه العمليات كثيراً ما تستخدم شعارات دينية لإضفاء شرعية على أعمالها، في حين تكون الأهداف الحقيقية سياسية أو استخباراتية أو مرتبطة بإثارة الفتنة بين مكونات المجتمع، داعياً إلى عدم الانخداع بالأسماء والشعارات قبل معرفة الجهة الحقيقية التي تقف خلفها.
ويضيف، أن الاسم الذي اختارته الجماعة قد يكون جزءاً من عملية تضليل متعمدة، لأن أي جهة تسعى إلى إشعال فتنة داخلية تدرك أن استخدام لافتة دينية يمنحها صدى إعلامياً أكبر، ويوجه الأنظار نحو فاعل قد لا يكون هو المنفذ الحقيقي.