بغداد – سدن
بعيداً عن الكلمات التي قيلت في بيان الحكومة العراقية، يصعب النظر إلى زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودي خالد الحميدان إلى بغداد ولقائه مع رئيس الوزراء علي الزيدي باعتبارها زيارة عادية، لان الرياض لا تحتاج إلى إرسال رئيس جهاز استخباراتها لنقل رسائل بروتوكولية، كما أن الحميدان ليس مسؤولاً دبلوماسياً يجوب العواصم لتحسين العلاقات العامة، فمهمة الرجل وموقعه في منظومة القرار السعودي، تؤكد أن زيارته العراقية كانت أمنية قبل أي شيء آخر، رغم ان جزءاً مهماً مما دار مع الزيدي بقي خارج الإعلان.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ(سدن) فأن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودي خالد الحميدان إلى بغداد كانت (أمنية بامتياز)، وأن ملف الفصائل المسلحة والتداعيات المحتملة لتحركاتها في ظل التصعيد الإقليمي شكل محوراً أساسياً في المباحثات.
وقالت المصادر إن زيارة الحميدان لا يمكن فصلها عن المخاوف الأمنية المتصاعدة في المنطقة، مؤكدة على أن الجانب السعودي أراد مناقشة ملف الفصائل بصورة مباشرة مع أعلى مسؤول تنفيذي وأمني في الدولة العراقية، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية والأمنية التقليدية.
وبحسب المصادر، فإن الرياض تنظر بجدية بالغة إلى احتمالات انتقال تداعيات المواجهة الإقليمية إلى الساحة العراقية، وتريد ضمانات عملية بأن الأراضي العراقية لن تتحول إلى منطلق لأي تحرك عسكري ضد المملكة.
وأضافت المصادر إن الرياض لا تسعى إلى دفع الزيدي نحو مواجهة شاملة وفورية مع الفصائل، بقدر ما تريد تثبيت خط أحمر واضح يتعلق بأمن المملكة، مفاده ألا يتحول العراق إلى منصة لأي هجوم أو نشاط عسكري يستهدف الأراضي السعودية، كما طالب الجانب السعودي بغداد، بمراقبة أي تنسيق عملياتي بين الفصائل العراقية وجماعة الحوثي اليمنية والحرس الثوري الإيراني، والتدخل مبكراً قبل انتقال أي نشاط من مرحلة الاتصال والتخطيط إلى التنفيذ.
وأشارت المصادر، الى ان الحميدان وجه سؤالاً مباشرة الى رئيس الحكومة علي الزيدي مفاده: إذا قررت المليشيات والفصائل المسلحة التحرك ضد المملكة، أو إذا تلقت توجيهاً من الحرس الثوري الإيراني يتعارض مع قرار الحكومة، هل تستطيعون منعها؟
المصادر أكدت أن الجانب السعودي لم يكتف بطرح المخاوف، وإنما وضع أمام رئيس الحكومة تصوراً واضحاً للمرحلة المقبلة، يقوم على التعامل مع بغداد بوصفها الجهة الوحيدة المسؤولة عن أي نشاط مسلح ينطلق من الأراضي العراقية، بصرف النظر عن الجهة التي تنفذه أو الغطاء الذي تتحرك تحته.
وأوضحت أن الرسالة التي حملها الحميدان كانت حازمة في هذه النقطة، إذ أبلغ الجانب العراقي بأن المملكة تفضل أن تتولى الحكومة العراقية معالجة أي تهديد داخل أراضيها، وأن الرياض لا تريد الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الخطر وشيكاً بما يفرض عليها اتخاذ خيارات أخرى لحماية أمنها.
ولم تكشف المصادر عما إذا كان المسؤول السعودي قد تحدث عن طبيعة هذه الخيارات، لكنها أشارت إلى أن الجانب العراقي فهم الرسالة باعتبارها تحذيراً جدياً وليس مجرد تعبير عن القلق، خصوصاً أن المملكة أعلنت خلال الأيام الماضية، استعدادها للتعامل المباشر مع مصادر التهديد عندما ترى أن أمنها القومي أصبح في دائرة الخطر.
وفي المقابل، أكد الزيدي للوفد السعودي، بحسب المصادر، أن حكومته لن تسمح لأي طرف عراقي باتخاذ قرار منفرد يورط البلاد في مواجهة إقليمية، وأن بغداد تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية سيادة عراقية قبل أن يكون استجابة لمطالب أي دولة أخرى.
وأبلغ الزيدي الحميدان بأن حكومته تدرك حساسية المرحلة، وأن أي محاولة لجر العراق إلى مواجهة خارجية ستواجه بإجراءات من مؤسسات الدولة، مشدداً على أن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يكون خارج سلطة الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة.
وبحسب المصادر، فإن الجانبين اتفقا على فتح قناة أمنية مباشرة وسريعة، لا تمر بالمسارات المعتادة، تسمح بتبادل المعلومات والتحذيرات عند ظهور مؤشرات على تحركات ميدانية تستدعي تدخلاً عاجلاً.
وهذه النقطة، وفق المصادر، تعد من أهم نتائج زيارة الحميدان، لأنها تنقل العلاقة الأمنية بين بغداد والرياض من تبادل التقديرات العامة إلى مستوى أكثر حساسية يرتبط بالإنذار المبكر والتعامل مع المخاطر قبل وقوعها.
وأكدت المصادر أن الحميدان حرص خلال مباحثاته على الفصل بين موقف المملكة من الفصائل العراقية وبين موقفها من العراق، مشدداً على أن الرياض لا تنظر إلى بغداد باعتبارها خصماً، ولا تريد أن تتحول الأزمة مع جماعات مسلحة إلى أزمة بين الدولتين.
كما ابلغت السعودية الزيدي، أن استقرار العراق يمثل جزءاً من أمنها القومي، ولذلك فإنها لا ترغب في أي سيناريو يؤدي إلى صدام واسع بين الحكومة والفصائل يمكن أن يدفع البلاد نحو اضطرابات أمنية أو اقتتال داخلي، كما أن الرياض تفرق بصورة كاملة بين الدولة العراقية وبين الجماعات التي تتحرك خارج قرارها، لكنها تنتظر من الحكومة العراقية إثبات قدرتها على فرض هذا الفصل على الأرض.
وفي مقابل المطالب الأمنية، كشفت المصادر عن إن الحميدان أكد استعداد المملكة لتعزيز التعاون مع الأجهزة العراقية، وتقديم دعم واضح للحكومة العراقية في أي خطوات تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة وحماية سيادتها.
وبحسب المصادر، فإن رئيس الوزراء العراقي يدرك من جانبه أهمية الموقف السعودي في معركته السياسية الداخلية، خصوصاً أن توسيع دائرة الدول المطالبة بمنع نشاط الفصائل خارج الحدود يسحب من خصومه ورقة تصوير حصر السلاح باعتباره مطلباً أميركياً حصراً.
فالمشكلة، وفقاً لرؤية مقربين من الحكومة، لم تعد مرتبطة بعلاقة العراق بالولايات المتحدة، وإنما بدأت تمس علاقاته مع محيطه العربي وقدرته على حماية مصالحه الاقتصادية والسياسية مع دول الجوار.
وتعتقد أوساط سياسية أن دخول الرياض بصورة مباشرة على خط هذا الملف يمكن أن يمنح الزيدي مساحة إضافية للمناورة، لكنه في الوقت نفسه يضاعف الضغوط عليه، لأن أي تعهد يقدمه إلى دول الجوار سيضع حكومته أمام مسؤولية تنفيذية لا يمكن الهروب منها لاحقاً.
وترى المصادر أن الأسابيع المقبلة ستكشف مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذه التفاهمات إلى إجراءات فعلية، خصوصاً إذا استمر التصعيد الإقليمي أو ظهرت محاولات لتحريك الساحة العراقية رداً على تطورات الحرب الامريكية – الإيرانية، وفي هذه الحالة، لن يكون الاختبار متعلقاً بما يقوله الزيدي في اجتماعاته مع المسؤولين العرب أو الغربيين، وإنما بما ستفعله قواته إذا اكتشفت تحركاً عسكرياً لفصيل يقرر تجاوز قرار الحكومة.
وبحسب قراءة (سدن) وما كشفته زيارة الحميدان، فأن ملف الفصائل بدأ يخرج من حدوده العراقية التقليدية الى دول الإقليم، فما كان لسنوات قضية خلاف داخلي بشأن شرعية السلاح وعلاقة الجماعات المسلحة بالدولة، يتحول تدريجياً إلى ملف يمس الأمن القومي لدول الجوار.
فالتحرك خارج الحدود لم يعد يعني تحدي الحكومة العراقية وحدها، وإنما قد يضع أي فصيل أمام دول تمتلك قدرات استخبارية وعسكرية واسعة، ولا تخضع في حساباتها للتوازنات السياسية العراقية التي طالما وفرت للجماعات المسلحة هامشاً واسعاً للحركة داخل العراق.
وبين الرسالة السعودية وتعهدات الحكومة، يدخل الزيدي مرحلة ربما تكون الأصعب منذ توليه رئاسة الوزراء، فالرجل لم يعد مطالباً بإقناع الآخرين بأنه يريد حصر السلاح بيد الدولة، بل إنه مطالب الآن بإثبات أنه يستطيع ذلك، والفارق بين الأمرين قد تحدده أول مسيرة تتحرك من دون إذنه.