إسطنبول - سدن
كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، عن إمكانية انضمام مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته تركيا والسعودية وباكستان في مكة، في خطوة من شأنها، إذا اكتملت، أن توسع سريعاً نطاق التحالف العسكري الوليد وتمنحه ثقلاً عربياً وإقليمياً أكبر.
وقال فيدان إن انضمام القاهرة إلى (اتفاق مكة) بات مرتبطاً بتسوية عدد من المسائل الفنية، في أول إشارة تركية واضحة إلى أن الاتفاق الموقع الجمعة بين أنقرة والرياض وإسلام آباد قد لا يبقى محصوراً بالدول الثلاث المؤسسة.
ويقوم الاتفاق على قاعدة دفاعية شديدة الوضوح: أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الأعضاء يعد هجوماً على الدول الأخرى، بما يؤسس لمفهوم للردع الجماعي يقترب في جوهره من القاعدة التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي.
ولم يكتف فيدان بالمقارنة السياسية، بل قال صراحة إن اتفاق الدفاع المشترك يماثل المادة الخامسة من ميثاق (الناتو)، معلناً في الوقت نفسه تشكيل لجنة وزارية وأمانة عامة تتوليان تنفيذ الاتفاق ومتابعة آلياته، في هيكل تنظيمي يستلهم تجربة الحلف الأطلسي.
وإذا اكتمل انضمام مصر، فسيجمع الاتفاق أربعاً من أبرز القوى العسكرية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي: تركيا والسعودية وباكستان ومصر، بما تمتلكه هذه الدول مجتمعة من قدرات عسكرية وبشرية وصناعات دفاعية ومواقع استراتيجية تمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى الخليج والمحيط الهندي.
كما أن وجود باكستان، القوة النووية الوحيدة بين الدول المؤسسة، يمنح الاتفاق وزناً استراتيجياً يتجاوز مفهوم التعاون العسكري التقليدي، فيما تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي، إلى جانب القدرات العسكرية السعودية والموقع الجيوسياسي المصري الذي يتحكم بأحد أهم شرايين التجارة العالمية عبر قناة السويس.
وتشير تصريحات فيدان بشأن القاهرة إلى أن الدول المؤسسة تنظر إلى (اتفاق مكة) باعتباره إطاراً قابلاً للتوسع، وليس مجرد تفاهم دفاعي مغلق بين الدول الثلاث.
وفي ظل التوتر الإقليمي المتصاعد، سارع وزير الخارجية التركي إلى نفي أن يكون الاتفاق موجهاً ضد إيران.
وقال فيدان إن "أحداً لا يعد هدفاً ما دام لا يهاجم الدول الأعضاء"، موضحاً أن الحلفاء سيقررون، عبر المشاورات، حجم وطبيعة الدعم المطلوب في حال تعرض إحدى الدول لهجوم، والطريقة التي سيقدم بها ذلك الدعم.
ويعني ذلك أن الاتفاق لا يحدد مسبقاً دولة باعتبارها خصماً، وإنما يجعل وقوع الاعتداء على أحد أعضائه هو العامل الذي يفعل آليات الدفاع الجماعي.
لكن توقيت تأسيس التحالف، بالتزامن مع واحدة من أشد مراحل التوتر الإقليمي ومع تصاعد التهديدات للملاحة البحرية، يمنحه ثقلاً سياسياً يتجاوز الصياغات القانونية للاتفاق.
أنقرة تتطلع إلى مظلة بحرية بقيادة الرياض
وكشف فيدان عن بعد آخر للتحركات الدفاعية الجديدة عندما أكد ضرورة مشاركة تركيا في التحالف الدفاعي البحري الذي تقوده السعودية.
وقال وزير الخارجية التركي: يجب أن نشارك في التحالف الدفاعي البحري بقيادة السعودية، مشدداً على أن أمن الملاحة في البحر الأحمر يمثل أهمية مباشرة للمصالح التركية.
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام ربط (اتفاق مكة) مستقبلاً بمنظومة أوسع لحماية الممرات البحرية، خصوصاً البحر الأحمر، في ظل تزايد التهديدات التي تتعرض لها السفن التجارية وإمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية.
نسخة إقليمية من المادة الخامسة
وتعد المادة الخامسة قلب منظومة الردع في حلف شمال الأطلسي، إذ تنص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الأعضاء هجوماً على الحلف بأكمله، بما يستوجب تقديم المساعدة للدولة التي تعرضت للاعتداء.
ورغم وجود المادة منذ تأسيس الناتو عام 1949، فإنها لم تفعل سوى مرة واحدة، عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.
ومقارنة فيدان المباشرة بين تلك المادة واتفاق مكة تعطي الاتفاق الجديد بعداً يتجاوز التعاون في التدريب والتسليح، باتجاه إنشاء مظلة ردع مشتركة بين الدول المنضمة إليه.
تركيا تطمئن الناتو
وفي موازاة ذلك، تحركت أنقرة لتبديد أي انطباع بأن الاتفاق الجديد يمثل ابتعاداً تركياً عن حلف شمال الأطلسي.
وأكد جهاز مكافحة التضليل الإعلامي التابع للحكومة التركية أن (اتفاق مكة) لا يتعارض مع التزامات أنقرة تجاه التحالفات الدولية، وفي مقدمتها الناتو، وإنما يمثل "آلية تعاون متممة تدعم الأمن الإقليمي".
وشدد على أن تطوير تركيا شراكاتها الإقليمية ليس بديلاً عن عضويتها في الحلف الأطلسي ولا يمثل إنشاء تحالف عسكري هجومي.
وأوضحت أنقرة أن الاتفاق يستهدف تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والتدريب العسكري وتبادل التكنولوجيا ودعم الاستقرار الإقليمي.
وتكتسب هذه التوضيحات أهمية بالنظر إلى مكانة تركيا داخل الناتو، إذ تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، كما استضافت مطلع تموز/يوليو قمة قادة الحلف بمشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبينما لم يحسم انضمام القاهرة بعد، فإن الإعلان التركي يكشف أن (اتفاق مكة) بدأ التفكير في التوسع بعد أقل من 24 ساعة على ولادته.
وإذا انتقلت مصر بالفعل من مرحلة المباحثات الفنية إلى التوقيع، فإن المنطقة ستكون أمام إطار دفاعي يضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر، ويجمع تحت مظلته أربعاً من أثقل القوى العسكرية والسياسية في محيط الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، في تطور قد يعيد رسم جزء مهم من هندسة الأمن الإقليمي.