مآل

المنطقة تتغير.. وهذه المرة من داخلها

9 أغسطس 2026
المنطقة تتغير.. وهذه المرة من داخلها

كان الأستاذ حسن العلوي، أطال الله في عمره، يطلب مني دائماً أن أبتعد عن الكتابة (الصحفية) بمعناه التقليدي، وأن أتجاوز الخبر، وألا أكتفي بسرد الوقائع، بل أذهب إلى فضاء أوسع، فيه فلسفة وتحليل عميق، حيث لا تكون المقالة مجرد إجابة عن سؤال: ماذا حدث؟ بل محاولة لفهم: لماذا حدث؟ وإلى أين يقودنا؟

وكان يقول إن الصحفي يصف المشهد، أما الكاتب الحقيقي فيكشف ما وراء المشهد.. وإن الخبر يموت مع اليوم التالي، بينما الفكرة الجيدة قد تبقى حية لعقود.

ولعل أجمل ما تعلمته منه أن المقال ليس استعراضاً للمعلومات، بل رحلة بحث عن المعنى، فالأحداث تتغير كل يوم، لكن الأفكار التي تفسرها هي التي تصنع أثراً يبقى في ذاكرة القارئ.

وكلما كتبت، أتذكر تلك الوصية، وأدرك أن أصعب ما في الكتابة ليس أن تعرف ما تريد قوله، بل أن ترى ما لا يراه الآخرون في الحدث نفسه.

ودائماً ما ترافقني (وصية العلوي)، وأنا احلل المشهد السياسي في المشرق وخاصة خلال الأشهر الأخيرة.

فلو اكتفينا بعين الصحفي، لقلنا إن رئيس الوزراء العراقي تحرك بين العواصم، وإن سوريا الجديدة تعيد فتح أبوابها للعالم، وإن إقليم كردستان يواصل دبلوماسيته الهادئة، وإن الأردن يحافظ على توازنه التقليدي، لكن جمع هذه الوقائع في خبر واحد لا يصنع فكرة.

والسؤال الأعمق هو: هل نشهد مجرد تحركات سياسية متفرقة، أم أن المنطقة تقف أمام ولادة جيل جديد يعيد تعريف القيادة نفسها؟

فثمة لحظات نادرة في التاريخ لا يغير فيها الزمان الرجال، بل يغير الرجال معنى الزمن نفسه.. ولنا في تجربة عبدالناصر والشيخ زايد واحمد الشرع ابسط مثال..

ولعل المشرق العربي يقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع، لا لأن أزماته انتهت، بل لأن عدداً من قادته بدأوا يتعاملون معها بعقل مختلف.. عقل يحاول بناء الدولة قبل بناء النفوذ، والاقتصاد قبل الخطابة، والاستقرار قبل المغامرة.

في العراق، يقف علي الزيدي أمام واحدة من أعقد المهمات في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، فهو لا يدير دولة عادية، بل بلداً أنهكته الصراعات، وتنازعته مراكز النفوذ، ومتوزع قراره بين مؤسسات رسمية، وقوى مسلحة، وأحزاب، ومصالح خارجية، حتى أصبح السؤال عن صاحب القرار أكثر تعقيداً من القرار نفسه، ولذلك.. فإن نجاحه لا يقاس بعدد الأوامر التي يصدرها، ولا بحجم الاتفاقيات التي يوقعها، بل بقدرته على إعادة الدولة إلى مركز الحياة السياسية.

فالمهمة الحقيقية ليست أن يصبح رئيس الوزراء أقوى من خصومه، بل أن تصبح الدولة أقوى من الجميع، وإذا نجح الزيدي في ذلك، فلن يكون قد أنجز إصلاحاً حكومياً فحسب، بل سيكون قد أعاد تعريف الدولة العراقية بعد عام ٢٠٠٣ نفسها، من ساحة تتصارع فيها إرادات الآخرين، إلى دولة تملك إرادتها.

وفي سوريا، تبدو تجربة الرئيس أحمد الشرع واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للاهتمام في المشرق الجديد، فالشرع لم يتسلم دولة مستقرة تحتاج إلى إدارة أفضل، بل بلداً خرج من واحدة من أقسى مآسيه الحديثة، بمؤسسات منهكة، واقتصاد يحتاج إلى إعادة تشغيل، ومجتمع أثقلته سنوات الانقسام، وعلاقات خارجية تتطلب إعادة بناء شبه كاملة.

ومع ذلك، فإن اللافت في خطواته حتى الآن هو إدراكه المبكر أن الانتصار في لحظة التحول لا يكفي لبناء الدولة، وأن الشرعية التي تحتاجها سوريا الجديدة لا يمكن أن تقوم على الماضي وحده، بل على قدرة الحكم الجديد على ترسيخ الأمن والاستقرار، وإعادة المؤسسات إلى العمل، والانفتاح على المحيط العربي والدولي، واستعادة ثقة السوريين بدولتهم.

وهنا تحديداً تكمن أهمية تجربة الشرع بالنسبة إليّ.. فما يثير إعجابي في سياساته ليس سرعة التحول وحدها، وإنما البراغماتية التي يتعامل بها مع واقع شديد التعقيد، فهو مدرك أن سوريا لا تحتاج إلى ثورة دائمة.. بل إلى دولة، ولا إلى إدارة الخصومات القديمة إلى ما لا نهاية.. بل إلى إغلاقها، ولا إلى استبدال نفوذ بنفوذ.. بل إلى استعادة القرار السوري نفسه.

وقد تابعت خطواته السياسية خطوة خطوة، ولاحظت انتقالاً واضحاً من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة الدولة، فقد فتح الأبواب أمام الجوار، وأعاد ترتيب العلاقات الإقليمية، ويبحث عن المصالح الاقتصادية، ويتعامل بواقعية مع المجتمع الدولي، وأستعاد موقع سوريا الطبيعي كدولة عربية مركزية، لا ساحة تتنافس عليها مشاريع الآخرين.

ولذلك فإن نجاح الرئيس أحمد الشرع يتجاوز شخصه وحكومته.. نجاحه يعني إثبات فكرة شديدة الأهمية للمنطقة كلها، مفادها أن الدول الخارجة من الحروب تستطيع أن تبدأ من جديد، وأن القائد الذي تصنعه لحظة الصراع يستطيع، إذا امتلك الشجاعة السياسية، أن يتغير مع تغير مهمته، من قيادة مرحلة استثنائية إلى بناء دولة طبيعية.

أما رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، فيمثل خبرة سياسية مختلفة وسط تحديات الهوية، والعلاقة مع بغداد، وضغوط الجوار، والحاجة الدائمة إلى التوازن بين الطموح القومي والواقعية السياسية، وقد منحه ذلك فهماً مبكراً لأهمية الاستثمار، والانفتاح، والدبلوماسية المرنة، وتحويل الموقع الجغرافي من مصدر تهديد إلى فرصة بناء.

فما يجمع الشرع والزيدي والبارزاني، ليس الانتماء السياسي أو القومي، ولا التجربة التاريخية، بل طريقة التفكير، فهم ينتمون، بدرجات متفاوتة، إلى جيل يدرك أن الشعارات لم تعد تكفي، وأن الدولة الحديثة لا تبنى بالخطابة، بل بالمؤسسات والاقتصاد والشرعية والقدرة على إنتاج الأمل.

وإلى جانبهم يقف الأردن.. بوصفه دولة خبرة تراكمت بهدوء..

 فالأردن، على محدودية موارده، نجح في الحفاظ على مؤسساته، ونظامه التعليمي، وجهازه الإداري، وعلاقاته المتوازنة، في منطقة كانت فيها الدول تتساقط أو تهتز تحت ضغط الحروب، وعلى رأي الأستاذ سعد البزاز: بلداً تحيط به النيران.. وهو سالم.

وهنا تتكون صورة نادرة: فالعراق يمتلك طاقة هائلة وسوقاً كبيرة وموارد مالية وبشرية، أما سوريا الجديدة، فإنها تمتلك واحدة من أثمن الجغرافيات السياسية والاقتصادية في المنطقة: منفذاً على المتوسط، وحدوداً مع العراق والأردن وتركيا ولبنان، وموقعاً يستطيع أن يعيد وصل أجزاء المشرق بعضها ببعض، وهي بحاجة اليوم إلى الطاقة والاستثمارات والأسواق وفرص العمل وإعادة الإعمار، وكردستان تملك خبرة في جذب الشركات والتعامل مع الأسواق، فيما يمتلك الأردن ميناء العقبة، والمؤسسات، والقدرات اللوجستية، وعلاقات واسعة مع الخليج والعالم.

وحين تجتمع هذه العناصر، لا يعود كل بلد مجرد وحدة منفصلة، بل جزءً من شبكة كبرى، حيث يمكن للنفط والغاز العراقيين أن يصلا إلى المتوسط، ويمكن للموانئ السورية أن تستعيد دورها بوابات طبيعية للأسواق العراقية والمشرقية، ويمكن للعقبة أن تصبح البوابة الجنوبية للمشرق، ويمكن لأربيل أن تتحول إلى مركز استثمار وسياحة وخدمات يربط العراق بتركيا وما وراءها.

والمشروع لا يتعلق بالطاقة وحدها.. فالسكك الحديدية يمكن أن تربط البصرة ببغداد ودمشق والعقبة، وشبكات الكهرباء يمكن أن تتكامل، والجامعات الأردنية والسورية والعراقية تستطيع إطلاق برامج مشتركة، والزراعة العراقية والاردنية والسورية، يمكن أن تخدم سوقاً إقليمية واسعة.

وفي هذه الحالة، يصبح الاقتصاد نفسه أداة أمنية، فالمهرب الذي يعيش على ضعف الدولة يفقد نفوذه حين تنشأ تجارة قانونية، والجماعة المسلحة التي تسيطر على طريق تفقد قوتها حين يصبح الطريق جزءاً من شبكة دولية محمية بالمصالح، والتطرف يتراجع حين يجد الشاب عملاً ومستقبلاً بدلاً من السلاح.

إن أخطر ما فعلته حروب القرن الماضي أنها أقنعت شعوب المنطقة بأن الجغرافيا مؤامرة عليها.. أما أعظم ما يمكن أن يفعله الجيل الجديد فهو أن يثبت أن الجغرافيا ليست لعنة، بل ثروة هائلة، لكنها كانت تنتظر دولاً تعرف كيف تستخدمها.

شارك المقال f 𝕏 in