إذا قلتُ إنّنا نقيم في مستنقعٍ آسنٍ ومدينةٍ ميتة، فإنّ سؤال هل تُستعاد بيروت وبلادُها، لتكون، مرّةً أخرى، تربةً صالحةً للحياة الفذّة، ومساحةً إنسانويّة وثقافيّة، ومختبرًا للتفاعل الخلّاق، يصبح ضرورةً مطلقة. وكذا الجواب عنه.
التعبير الذي أستخدمه، ينطوي على الكثير من الجزم والمباشرة، وربّما على الفجاجة والوقاحة. لكنّ أيّ كلامٍ معاكس إنّما هو استغراقٌ في حنينٍ سقيمٍ إلى ماضٍ بيروتيٍّ ولبنانيٍّ آفلٍ، إنكارًا لواقعٍ متخمٍ بالحقائق الكارثيّة والجهنّميّة.
مع ذلك، أجدني أُسارع إلى تسميتها مدينةً قتيلةً، إكرامًا لمَن لا يستسيغ استخدام التعبير السابق: مستنقع آسن ومدينة ميتة.
لكنّ بيروت هي بالفعل كذلك. فمعالم الحياة التي يُعتدّ بها في العاصمة، بالكاد تصلح للتعداد، فكيف بالاعتداد.
لم يعد يستقيم الإنكار أو الدحض بتسمية المؤسّسات الشغّالة والمشاريع قيد الإنجاز. ولا أيضًا الاحتجاج بالمهرجانات والمناسبات الاحتفاليّة، ولا إشهار أعداد المطاعم والملاهي والمقاهي وأماكن السهر التي تغصّ بروّادها ومرتاديها، ولا استعراض مظاهر الكيتش والتشييء والصخب والازدحام. ذلك كلّه، إنْ دلّ على ظاهر المشهد المرئيّ، فإنّما يدلّ واقعيًّا على الحياة الدنيا (البهيميّة)، ويدلّ رمزيًّا على الآلات التي توصل بدماغ الميّت لاستبقاء حشرجاته وما يتلجلج من روحه.
الترهّل ليس هو التعبير الأفدح عن حال المدينة. لكنّه، إذ يستولي على الناس والوجوه والأماكن والمناطق والشوارع والأحياء، فهو فاقعٌ وثقيلٌ للغاية، بل أفدح من رؤية جبلٍ (أو ركامٍ) عظيمٍ جاثمًا ورابضًا على قلوبٍ ذبيحة وعقولٍ مدمّرة.
هذه مدينةٌ ميتةٌ وقتيلةٌ في آن. فهي قُتِلتْ وماتت، مذ "اختيرتْ" لتكون (والبلاد جميعها) أرضًا لحروبٍ متناسلةٍ ليست كلّها حروب الآخرين، ولا كلّها الحروب الأهليّة.
وهي ميتةٌ وقتيلةٌ لأنّ مناعتها بخسةٌ للغاية، وهشاشاتها البنيويّة والعضويّة لا تُحصى. وهي قد ماتت وقُتِلتْ حقًّا وأيضًا لئلّا تموت وتُقتَل مدنٌ وبلدانٌ غيرها.
خذوا موتاها وقتلاها مثلًا. وهم ليسوا فقط البحر والميناء والشاطئ والرصيف والشارع، ولا رثاثة طاولات المقاهي والشبابيك والشرفات، ولا فحسب الأوادم والعقّال والحكماء والمستشرفون والرؤيويّون والشعراء والمفكّرون والمثقّفون والأحرار والعشّاق والأفراد، ولا أيضًا ورود الأمل المسحوقة، وغروس التمرّد والعصيان والحرّيّة، ولازورد البحبوحة الروحيّة.
جملة عوامل معقّدة ومتراكبة، ذاتيّة وموضوعيّة، داخليّة وخارجيّة، مجتمعيّة واقتصاديّة وسياسيّة، تساهم في إرجاء استعادة المكان البيروتيّ. لذا لا يمكن "تعيين" حالات هذا الموت وأسبابه وأمواته بالحساب، ولا فقط بالعقل، ولا حتّى بالافتراض. فالموت هو خصوصًا مناخٌ وحالة. ونحن نقيم في جحيم هذين المناخ والحالة.
لكنْ، كيف نساهم في استعادة المدينة؟
بأنْ، نحن الموتى، نرفض أنْ نصير نسخةً عن الموت الذي يحيط بنا. بأنْ نحافظ على الكلمة الحرّة في زمن الأكاذيب، وعلى الجمال في زمن القبح، وعلى الأنسنة في زمن التوحّش، وبأنْ نرجّ المياه الآسنة، ونهزّ المقبرة هزًّا، فنصنع فارقًا كيانيًّا نوعيًّا خلّاقًا، يؤدّي إلى صنع الحالة.
فالمدينة تنهض حين يستعيد أفرادٌ متفرّقون معنى وجودهم، ثم يلتقون. الأمل، ليس شرطًا للفعل. كثيرًا ما يأتي الأمل نتيجةً للفعل. نزرع الشجرة لأنّ الزرع مسؤوليّة، لا لأنّنا متأكّدون من الثمرة. نبني لأنّ البناء ضرورة، لا لأنّ النجاح مضمون.
خذوا هذه المفارقة: الذين أعادوا بناء مدنٍ كثيرة بعد الحروب والمجاعات لم يكونوا أكثر تفاؤلًا منّا، بل كانوا أقلّ استسلامًا.
تبدأ القيامة لحظة "نعقل" أنّنا آسِنون وموتى، لكنّنا لم نفقد بعد القدرة على مراودة الصخر، والشهادة لما هو حقّ وجميل وإنسانيّ. عندها لا نعود مجرّد ضحايا لمدينة ميتة، بل نصبح حرّاسًا قلائل لنارٍ لم تنطفئ.
آنذاك تُستعاد بيروت من جديد.