مآل

مخاوف البيئة الاجتماعية الشيعية العراقية

احمد سعداوي
15 أغسطس 2026
مخاوف البيئة الاجتماعية الشيعية العراقية

أنا أبن البيئة الاجتماعية الشيعية العراقية، وتحديداً البيئة الجنوبية ببغداد والأحياء الشعبية، وأعرف، بحكم الأمر الواقع، تفاصيل دقيقة عن هذه البيئة، بل كنت على مدى عقود جزءاً من هذه التفاصيل، ذات الطابع الاجتماعي والديني والعشائري وغيرها.

الذي أعرفه ، وربما أكون مخطئاً، أن هذه البيئة، بغض النظر عن التوجه السياسي والفكري للشخص إبن البيئة، تحترم مرجعية النجف، وتحترم رجال الدين، أياً كانت أصولهم، فارسية كما السيد السستاني، أو تركمانية آذرية كما السيد الخوئي، أو عربية كما السيّد الصدر وغيرهم.

وهم من هذا المدخل يشعرون بعاطفة ما تربطهم بإيران، وشعروا بصدمة كبيرة مع أغتيال المرشد السيد الخامنائي، فهو حدث غير مسبوق، فحتى الشاه الذي كان في خصومة مع الخميني لم يتجرأ لاغتياله، وانما نفاه.

حدث الاغتيال أربك البيئة الشيعية العراقية، وجعلها في حالة من الخوف، الأمر الذي سهّل من قبول "السردية الولائية"، التي تريد ربط العراق مع إيران في مصير واحد.

طبعاً لدينا سردية الفصائل الولائية، وسردية أحزاب الاسلام السياسي الشيعي الحاكم من 2003 الى اليوم. هما يبدوان في خانة واحدة أحياناً، ولكن هناك تمايز وأختلاف، فالفصائل لا تزعم أنها تدير الدولة أو مسؤولة عن إدارة الدولة على الأقل.

أحزاب الاسلام الشيعي عملت على مدى العشرين سنة الماضية على تجريف المجتمع الشيعي العراقي وتدمير أي مشروع سياسي اجتماعي ثقافي بديل عنها. وتخادمت في سبيل هذا الهدف مع المليشيات، وصارا في مركب واحد، وبندقية واحدة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 حينما قام شباب عراقيون، غالبيتهم العظمى من الشيعة، بهدم سرديتهم السياسية ورفع الهوية الوطنية مشروعاً سياسياً بديلاً.

إدارة ترامب تريد محاصرة المليشيات ومشروع تذويب العراق بقضّه وقضيضه في إيران الولي الفقيه، وتستخدم، في سبيل ذلك، ذات الطبقة السياسية الشيعية الفاسدة والمجرمة. إنها تعيد تأهيلهم كي يكونوا بديلاً عن المليشيات.

ولكن هذا، إن تحقّق، يعيدنا عشر سنوات الى الخلف ليس إلا. الى لحظة كانت فيها هذه الطبقة السياسية تشعر بالخوف من المجتمع لهذا استقوت بالمليشيات. وهي لحظة أزمة، وليست لحظة حلّ.

لا توجد قاعدة اجتماعية حقيقية في المجتمع الجنوبي العراقي للمليشيات، ما سوى طبقة زبائنية محدودة ومدونين، ولكن هناك خوف حقيقي منتشر من سيناريو (ما بعد إيران), إنهم، هؤلاء الناس العاديون، يشعرون بهشاشة النظام السياسي، وهم محقّون بذلك، ويشعرون أن انهيار النظام الايراني أو انكفائه وتراجعه على الأقل، سيؤدي الى انهيار الوضع في العراق.

هذه مخاوف حقيقية، ولا علاقة لها بشكل مباشر، بتأييد المليشيات، أقصد.. من يشعر بهذه المخاوف من شيعة العراق ليس بالضرورة لأنه يؤيد المليشيات، وانما لأن النظام السياسي نفسه هشّ، واحتمالات التفكّك واردة، بسبب تنازع القوى الاسلامية الشيعية نفسها، فضلاً عن تفكّك مماثل يمكن ان يحصل في النخبة السياسية السنيّة، التي انتجتها ظروف هيمنة الحرس الثوري في العراق منذ 12 على الأقل.

شارك المقال f 𝕏 in