عندما تصل الطائرات المسيّرة إلى مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان السيد مسرور بارزاني، فإن القضية لم تعد خلافاً سياسياً بين أربيل وطهران، ولا حادثاً أمنياً يمكن دفنه في بيانات الإدانة المعتادة. أيها السادة نحن إزاء سؤال أخطر بكثير، هل من المقبول في الشرق الأوسط أن تُعاقَب القيادات السياسية بالصواريخ والمسيّرات لكونها ترفض أن يكون قرارها امتداداً لإرادة دولة أخرى؟!
في الساعات الأولى، من السابع عشر من أغسطس/آب، استهدفت طائرتان مسيّرتان مكتب الرئيس مسرور بارزاني، فضلاً عن موقعاً أمنياً آخر في أربيل. وصرحت الجهات الأمنية في إقليم كردستان إن المسيّرتين انطلقتا من الأراضي الإيرانية. الحمد لله لم يسقط ضحايا، لكن خطورة الهجوم لا تُقاس بعدد القتلى. فحين يكون الهدف مكتب رئيس حكومة، حينها تصبح الرسالة سياسية بامتياز قبل أن تكون عسكرية. وثمة سؤال بالغ الخطورة، لماذا مسرور بارزاني بالذات؟
يأتي الجواب، لأن الرجل يمثل في جانب أساسي من مشروعه السياسي، شيئاً لا ترتاح إليه قوى اعتادت أن يكون العراق مساحة مفتوحة لنفوذها. قراراً كردستانياً يريد أن يتحرك وفق مصالح كردستان والعراق، لا على وفق الحدود التي ترسمها الصواريخ والمسيّرات.
يمكن الاختلاف مع السيد مسرور بارزاني في كل شيء. يمكن نقد حكومته، وسياساتها الاقتصادية، وإدارتها، وعلاقاتها الداخلية. هذه هي السياسة. لكن لا يمكن القبول، بأن تصبح الطائرة المسيّرة أداةً لإدارة الخلاف مع رئيس حكومة منتخب، أو أن يصبح أمنه الشخصي، وأمن مؤسسات حكومته، وسيلة ضغط لتغيير خياراته.
هذه ليست رسالة إلى مسرور بارزاني لوحده، إنها رسالة إلى كل سياسي عراقي يفكر في أن يقول إن قرار العراق يجب أن يكون عراقياً.
لقد اختار مسرور بارزاني في غضون السنوات الماضية طريقاً واضحاً لتعزيز علاقات إقليم كردستان مع الولايات المتحدة والغرب، فضلاً عن حماية الاستثمارات الأجنبية، والدفاع عن قطاع الطاقة، إضافة إلى المطالبة بحصر السلاح في إطار المؤسسات الشرعية، وكذلك الإصرار على أن يكون من حق الإقليم رسم مستقبله الاقتصادي ضمن العراق الاتحادي.
كان يمكن لمسرور بارزاني أن يختار الصمت. كما يمكنه أن يتعامل مع الاعتداءات المتكررة على الإقليم بوصفها ضريبة جغرافية لا مفر منها. ويرسل الرسالة الأسهل. نحن لا نريد المشاكل، ولذلك سنقبل بما يُفرض علينا.
قبل أسابيع فقط، عندما تحدث عن المسيّرات التي استهدفت أربيل، طالب الحكومة الاتحادية بتحمل مسؤوليتها ومنع الخارجين عن القانون من تهديد أمن إقليم كردستان والعراق. واليوم، عندما وصل الاستهداف إلى مكتبه، قال إن هذه الهجمات لن تمنع حكومته من أداء واجباتها وحماية المواطنين.
والاستهداف المباشر لمؤسسات الحكم، يبغي أن يزرع فكرة أكثر خطورة. تستطيع أن تكون رئيس حكومة، لكن عليك أن تتذكر أن هناك قوة خارج حدودك تستطيع الوصول إليك.
ولهذا فإن الدفاع عن مسرور بارزاني اليوم ليس دفاعاً عن شخص، ولا عن حزب فقط،. إنه دفاع عن فكرة الدولة.
إنه لا يطالب بحرب مع إيران، ولا ينبغي لكردستان أن تتحول إلى قاعدة لأي حرب ضدها. لكن الحياد لا يعني الاستسلام، والسلام لا يعني قبول الاعتداء، والتوازن لا يعني أن تتحول أربيل إلى مدينة تنتظر في كل ليلة اتجاه الطائرات المقبلة إليها.
وإذا كانت السلطات المختصة في الإقليم، تقول إن المسيّرات الأخيرة جاءت من الأراضي الإيرانية، فإن المطلوب ليس فقط إدانة كردستانية، بل موقف عراقي واضح، غير موارب، وتحقيق ومساءلة وتحرك دبلوماسي، يحمي سيادة البلاد.
ولا يقل خطورة عن استهداف مكتب رئيس الحكومة، استهداف مقر إقامة مدير وكالة الأمن (الپاراستن) فاختيار هذا الهدف يكشف أن الرسالة لم تكن موجهة إلى مسرور بارزاني وحده بل إلى الحلقة الأمنية الأقرب إلى قيادة الإقليم وإلى المؤسسة المكلفة بحماية أمنه واستقراره.
فعندما تصل المسيّرات إلى مقر مسؤول أمني بهذا المستوى فإن الهدف يتجاوز الترهيب إلى محاولة ضرب هيبة المنظومة الأمنية وإظهار القدرة على اختراق خطوط الحماية والوصول إلى رموزها.
إنها رسالة ضغط واضحة مفادها أن الاستهداف يمكن أن يطال السياسي ومن يحميه معاً وهو ما يجعل الاعتداء مساساً مباشراً بأمن مؤسسات الحكم وسيادة الإقليم، لا مجرد حادث أمني عابر.