مآل

دُرَرٌ وعالمٌ مريض وخنازير

25 أغسطس 2026
دُرَرٌ وعالمٌ مريض وخنازير

يقول القائل: قد يكون تحييد لبنان وتحقيق السلام فيه شبه مستحيل في المدى المنظور، ودونه أهوالٌ وحسابات. لكنْ ثمّة الكثير ممّا يسهل إنجازه "على الأرض"، وهو في متناول اليد، إلّا أنّ أحدًا، وزيرًا أو مسؤولًا أو حكومةً أو دولة، لا يفعل شيئًا لتحقيقه. وهذا لممّا يثير القرف والغضب والإحباط وإلى آخره. 

في يومٍ واحدٍ، خلال أقلّ من أربعٍ وعشرين ساعةً، عشرة قتلى بل أكثر، في حوادث سير مفجعة على طرق لبنان، لماذا؟ أمن "سببٍ جليلٍ"، سوى أنّ حبل النظام والقانون على الغارب؟! وقسْ على ذلك، عربدةً وجوعًا وغلاءً فاحشًا وتشليحًا وحياةً لا تُحتَمَل. وهلمّ.

**

القائل نفسه يقول: ... أمّا أنتَ فقد ضيّعتَ عمركَ في الكتابة الأدبيّة وفروسيّة الصحافة. خبِّرْني ما فائدة الشعر؟ والرواية؟ والأدب كلّه؟ والصحافة؟! تعتزل شهرًا شهرين ثلاثة وسنة وسنتين لتكتب قصيدةً وروايةً، أو نصًّا. فلماذا؟ أمتوهّمٌ أنّ قرّاءكَ بالمئات بالآلاف، وستجني الملايين؟

أعرف أنّكَ تعرف (والقول للقائل) أنّ قرّاء الأدب ليسوا على هذه الكثرة. فعددهم في لبنان، والعالم العربيّ، ومعهم القرّاء الناطقون بالعربيّة في أصقاع الأرض، لا يتعدّى المئات. وأحيانًا، كما في هذه الأيّام النكراء، لا يتعدّون الأصابع. وستكون مغبوطًا إذا حظيتَ بقارئٍ واحدٍ، مبحرًا تحت الكلام، مستنطقًا دلالاته وبواطنه، ويرسل إليكَ ما معناه أنّه متّحدٌ معكَ بالقراءة، بل ومشاركٌ في فعل الكتابة... قراءةً وتأويلًا ونقدًا.

القائل يجيب نفسه بنفسه، كما لو هو شخصٌ آخر: لا أريد أنْ أقنعكَ بشيءٍ ممّا تفترضه أعلاه، يا صاحبي. فأنا مقتنعٌ بأنّ لحظة ظهورٍ في برنامج "توك شو" أو "بودكاست"، من شأنها أنْ تجعلكَ صاحب شهرة ومكانة وفي سماءٍ سابعة.

فـ"الأرض"، والقول له، هي للصورة، للمؤثّرين، لروّاد وسائل التواصل، لأهل الواتس آب، والفايسبوك، والتويتر، والإكس، والإنستا، الذين، في الغالب الأعمّ، لا يهمّهم الأدب ولا مَن يتأدّبون. "الأرض" لدى هؤلاء، ليست، ولم تعد للشعر، ولا للأدب في أصنافه كافّةً، ولا للعلوم الإنسانيّة، ولا أيضًا للفلسفة، والفكر. هي للصرعات والقفشات والمواقف السريعة المتسرّعة، لردود الأفعال والتعليقات، الأشبه بفقش الموج على صخرة.

يقول القائل ذاته: "ولا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدّام الخنازير، لئلّا تدوسها بأرجلها ثمّ تلتفت فتمزّقكم" (متّى 7:6).

وأنتَ العارف، ترى أنّ الشعر لا يُكتَب من أجل مالٍ وجاه، بل من أجلكَ، ومن أجل نفسه، ولقارئٍ مجهول (ربّما غير موجود)، وتكريمًا للغة، والحياة، والأنسنة. جنسٌ كاملٌ هو الشعر، وشغفٌ وشبقٌ ونشوة. والشاعر سيظلّ يكتب الشعر لأنّه شاعر، ويحرّض الشعراء والروائيّين والأدباء على الكتابة، وإنْ لم يحظوا في أحد الأيّام، بليرةٍ أو قارئٍ فعليٍّ واحد.

العالم فقيرٌ وضحلٌ وتافهٌ بدون الشعر، يا صاحبي. العالم يحتاج (غصبًا منه وعنه) إلى الشعر، إلى اللغة الشعريّة التي تنصنع كلّ مرّة، كلّ يوم، كما لو أنّها لم تنصنع من قبل.

الصخر "يحبّ" المراودة. هو إنسانٌ، و"يشعر". ولا بدّ أنْ يرضخ يومًا لموجة، رقيقة أو عاتية. لا فرق.

نكايةً بهذا "العالم المريض"، هاكم أوّل الغيث: "الشمس كلّها في وجهي"، "اليد المقطوعة الهاربة على أصابعها وكلّ الناس المتبقّية تحت المطر"، وهما في المكتبات.

وقريبًا "الطرق تعود معنا". وسنفرح ونتهلّل بالشعر.

وفي التشارين أشعارٌ ورواياتٌ غفيرة، وقصيدة في الجحيم اللبنانيّة، والمشرقيّة... و"كحياةٍ في الجحيم".

وكما لا تُطرَح دررٌ قدّامَ خنازير، لن يُطرَح، قدّامَ أهل التفاهة، أدبٌ وفنٌّ وديوانُ قصائد ورواية!

شارك المقال f 𝕏 in