محمد الصالح
ليس جديداً على عراق ما بعد 2003 أن يسمع خطاباً طائفياً، ولا أن يظهر شخص يعتقد أن شتم رموز المسلمين بطولة مذهبية، أو طريق مختصر إلى الشهرة، الجديد.. أو الأكثر خطورة، أن تتحول الإساءة إلى مشهد علني منظم، يقف فيه شخص أمام جمهور ويهتف، ثم ترد عليه الحشود، وكأن العراق لم يدفع خلال العقدين الماضيين أنهاراً من الدم بسبب كلمات بدأت صغيرة، وانتهت بمقابر جماعية، ومدن مقسمة على الهوية.
فما حدث في البصرة، حين وقف الرادود سيد فاقد وسط جمع من أتباعه، وانطلقت هتافات مسيئة إلى صحابة رسول الله ﷺ، ليس (زلة لسان) يمكن دفنها تحت ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، ففي بلد مثل العراق، للكلمات ذاكرة، وللهتافات تاريخ، وللشتيمة الطائفية طريق عرف العراقيون جيداً إلى أين ينتهي.
وفي الوقت الذي يحاول فيه العراقيون، إقناع أنفسهم قبل الآخرين، بأنهم غادروا تلك المرحلة، بعدما تغيرت اللغة السياسية، وتراجعت المتاريس الطائفية، ونشأ جيل لا يريد أن يرث خصومات الآباء، يظهر من يصر على سحب البلاد إلى الوراء.
ولعل سيد فاقد ليس المشكلة كلها، وربما ليس أخطرها، فالمشكلة الحقيقية في المناخ الذي يجعل شخصاً يعتقد أن إهانة مقدسات ملياري مسلم يمكن أن تكون مادة للاحتفال، وفي الجمهور الذي يدفع إلى ترديدها، وفي الصمت الذي قد يحيط بها إذا كان الفاعل ينتمي إلى الجماعة الأقوى في المكان.
وعلى الرغم من أن الدولة لا شأن لها بما يعتقده سيد فاقد، إلا ان لها شأناً كبيراً عندما يتحول الاعتقاد إلى تحريض علني، والخلاف إلى إهانة، والمناسبة الدينية إلى استعراض لاستفزاز مواطنين آخرين.
وهنا.. لا ينبغي للسنة أن يقعوا في الفخ المقابل، فالرد على سيد فاقد بإهانة رموز الشيعة ليس دفاعاً عن الصحابة، بل هدية مجانية لكل من يريد إعادة بناء الجدران بين العراقيين، فالشيعي العراقي ليس سيد فاقد، مثلما أن السني العراقي لم يكن يوماً ذلك المتطرف الذي قتل الشيعة باسم السنة، وهذه الحقيقة البسيطة هي التي ساعدت العراق، على الخروج من أكثر سنواته دموية، لكنها لا تعني الصمت، فالسكوت عن خطاب الكراهية ليس تسامحاً، والتسامح لا يعني أن يقبل الإنسان إهانة مقدساته خوفاً من اتهامه بالطائفية.
لذلك فإن اللجوء إلى القضاء العراقي هو المسار الصحيح، وهنا يأتي امتحان الحكومة والقضاء، فالدولة التي تريد حصر السلاح لا يكفي أن تجمع البنادق، بل عليها أيضاً أن تجفف اللغة التي صنعت حاملي تلك البنادق.
ولهذا فإن المطلوب ليس (قضية سيد فاقد)، بقدر ما هو معيار عراقي واضح لا حصانة فيه لطائفة، فمن يهين مقدسات المسلمين أو المسيحيين أو الصابئة أو أي عراقي آخر، بقصد التحريض يجب ان يحاسب.
وقد يظن البعض أن بضع هتافات لا تستحق كل هذا القلق، متناسين أن الحروب الأهلية لا تبدأ بإعلان رسمي، بل تبدأ عادة بكلمة يتساهل معها الجميع، يتبعها هتاف يردده جمع، ثم صمت من الدولة.. وبعد ذلك يأتي الانفجار.