لطالما استخدمت الولايات المتحدة ثقلها الاقتصادي لتحقيق أهدافها على الصعيد الدولي، لكن إدارة ترامب تفعل ذلك على نحو غير مسبوق. وكانت الإدارة الأميركية قد هددت بفرض رسوم جمركية إضافية على كندا، ثاني أكبر شريك تجاري لها، بعد فشل المفاوضات، ثم أعلنت جولة جديدة من العقوبات على إيران.
وتعكس العقوبات على إيران استمرار سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، إذ لجأ الرؤساء الأميركيين لعقود إلى الأدوات الاقتصادية ضد خصومهم رغم الاحتمال الأكبر بعدم نجاحها. وتمثل الرسوم الجمركية على كندا نهج ترامب الجديد، القائم على تهديد معظم الدول، حتى الحلفاء القدامى، لانتزاع تنازلات منها. وسيتضح خلال الأشهر المقبلة، ما إذا كانت الرسوم أكثر فاعلية من العقوبات في إخضاع الدول للمطالب الأميركية.
وحتى الآن، كانت نتائج الرسوم متباينة في المحاكم الأميركية التي أمرت برد الأموال أو فرض حلول بديلة، بينما دفعت الصين، بفضل حجم اقتصادها وسيطرتها على موارد رئيسية، إدارة ترامب إلى التراجع عن تهديداتها. أما الحلفاء فقد رضخوا للضغط، لكن كندا تقول الآن إنها ستقاوم. أما المخاطر التي يواجهها ترامب فتقع أيضاً في الجانب القانوني. ففي فبراير، أبطلت المحكمة العليا الأميركية معظم الرسوم التي فرضها على دول بعينها. ويحاول الرئيس الآن الاستناد إلى المادة 338 من قانون سموت-هاولي للرسوم الجمركية لعام 1930، وهي مادة نادراً ما استُخدمت، ما يرجح تعرض الرسوم على كندا لطعون قضائية.
وتكمن المفارقة في اعتماده على قانون من حقبة الكساد الكبير، يُعتقد أنه أطال أمد الأزمة الاقتصادية. ويرى مؤرخون اقتصاديون إن الرسوم تضر بالنمو والابتكار على المدى الطويل، كما تقلل الثقة بين الدول. إلا أن جيفري فريدن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، يرى أن الرسوم قد تكون مفيدة إذا دفعت الدول إلى التنافس اقتصادياً بدلاً من الحرب، لكنه حذّر من أنها قد تثير رد فعل سياسياً داخلياً عنيفاً. وتشير استطلاعات الرأي إلى تزايد عدم شعبية الرسوم، في ظل تحميل المستهلكين إياها مسؤولية ارتفاع الأسعار، حيث إن 56% من المسجلين يعارضون سياسات ترامب التجارية والجمركية، مقابل 30% يؤيدونها. ومع الأغلبية الضئيلة للجمهوريين في مجلسي الكونجرس، يواجه ترامب خطر فقدان السيطرة التشريعية في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
وقد ينعكس تأثير الرسوم على ولايات ميشيغان وأوهايو وألاسكا على سباقات مجلس الشيوخ الحاسمة للسيطرة على الكونجرس. وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت منذ أيام ما وصفه بـ«يوم إنزال اقتصادي» ضد إيران، وتوسع العقوبات القيود لتشمل الأصول الرقمية والذهب والطيران، وتمتد إلى أطراف ثالثة تتعامل مع إيران.
لكن سجل العقوبات التاريخي يعطي إشارات تحذّر منها، فمنذ الحرب العالمية الثانية، نجحت العقوبات في نحو ثلث الحالات فقط، وفق معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وغالباً ما حققت نجاحاً جزئياً. وتوصي الدراسة بالحذر من استهداف الأنظمة الاستبدادية، لأن إخضاعها بالعقوبات غير فعّال غالباً. ومع ذلك، يتسارع اللجوء إلى العقوبات عالمياً. ويقول إدوارد فيشمان من مجلس العلاقات الخارجية إن كل رئيس أميركي في القرن الـ21 فرض العقوبات بمعدل يقارب ضعف سلفه، بينما زادت القيود التجارية عالمياً أكثر من ثلاثة أمثالها بين 2019 و2024. وتُعد إيران من أكثر الدول خبرة في التعامل مع تلك المناورات الاقتصادية.
فقد أضرت العقوبات الأميركية، الممتدة لنحو نصف قرن، باقتصادها وعزلتها عن الغرب، وشكلت إيران العام الماضي نحو نصف العقوبات الجديدة التي فرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية. لكن النظام في طهران لا يزال متمسكاً بالسلطة، حتى بعد الغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية في فبراير التي أودت بحياة مرشده الأعلى، آية الله علي خامنئي. وقبل إعلان العقوبات الأخيرة، هبط الريال الإيراني إلى مستوى قياسي بلغ مليوني ريال مقابل الدولار، بينما قفز التضخم وتضاعفت أسعار بعض المواد الغذائية أو ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف.