النائب حسنين الخفاجي متهم بطلب 40% من مشروع سكني ونصف مليون دولار! كتائب حزب الله تهدد بإشعال العراق إذا دخلت أميركا الحرب مصادر نيابية لـ سدن: واشنطن أبلغت المالكي بوضوح: لا تعطيل لحكومة الزيدي ولا تراجع عن ملف السلاح الملك عبدﷲ الثاني يؤكد دعم العراق والحلبوسي يعيد طرح أنبوب العقبة بوصفه خياراً استراتيجياً الزيدي للفصائل: أمريكا لن ترحمكم.. ومن يدخل الحرب سيتحمل مصيره وحده زلزال يهز جهاز الأمن الوطني.. سقوط مسؤولين كبار بملفات فساد وتجسس تهز بغداد نفط العراق عبر سوريا.. المشرق يعيد رسم خرائط الطاقة

عبدالمنعم حمندي: كبرياء القصيدة ووجع الجيب.. عندما يدفع الشاعر ضريبة الخلود من قوت يومه

عبدالمنعم حمندي: كبرياء القصيدة ووجع الجيب.. عندما يدفع الشاعر ضريبة الخلود من قوت يومه

عبدالمنعم حمندي

​التاريخ لا يكتبه المنتصرون بالمال والسلطة وحدهم، بل تخلده أيضاً تنهيدات الشعراء وآهاتهم. وإذا كان تاريخ الأدب العربي قد حفِل بصور شتى لـ "التكسب بالشعر"، حيث كانت القصيدة جواز مرور إلى مجالس الخلفاء، ومفتاحاً لـ "بيت المال" تقديراً لكون الشاعر لسان حال الأمة وصانع إعلامها الأول؛ فإن التاريخ المعاصر يسجل اليوم فصلاً تراجيدياً مغايراً تماماً، عنوانه: "الإنفاق على الشعر".

​اليوم، يقف الشاعر المعاصر في مهب ريح مادية عاتية، مجرداً من الرعاية الرسمية والمجتمعية، ليتحول من "مُكرَّم بالكلمة" إلى "مُغرَّم بها". يدفع من دمه، وجيبه، ولقمة عيش عياله، لكي يمنح قصيدته حق الحياة والوصول إلى الناس.

في الزمن الرديء الذي يعيشه الشاعر..

​تبدأ رحلة المعاناة من اللحظة التي تكتمل فيها القصائد وتصبح ديواناً يضج بالحياة. هنا، لا يجد الشاعر خلفه مؤسسات ترعى إبداعه، بل يواجه سوقاً استهلاكياً لا يرحم. تفرض دور النشر شروطاً مجحفة، وتطالب الشاعر بدفع تكاليف الحبر والورق والطباعة مسبقاً.

​إنها المفارقة الجارحة؛ الشاعر الذي يقضي لياليه في السهر وهندسة الحرف وضبط تفاعيل البحور وتأثيث المعنى، يضطر في النهاية إلى ملاحقة الموزعين، وشراء نسخ ديوانه الخاص بماله ليوزعها إهداءً على أصدقائه ونقّاده. يشتري "أثراً من روحه" بمال جيبه، في زمنٍ تراجعت فيه قيمة الكتاب الورقي لصالح السطحية البصرية، ومع ذلك يصر الشاعر على بقاء "سيد المعرفة" الورقي حيّاً على الرفوف رغماً عن كل الظروف.

في الماضي القريب كانت دور النشر الرسمية هي التي تبادر إلى طباعة مؤلفات المبدعين، وتقوم بتوزيعها والترويج لها، واليوم قلّما تجد من يتولى طباعة مؤلفات الأدباء، أنا شخصياً لم أمرّ بأزمة الطبع، الحمد لله لقد بادرت مؤسسات ثقافية ورسمية بطباعة مؤلفاتي العشرين. ولكن المعاناة تكمن في السفر والمشاركة في المهرجانات والندوات التي ندعى لها من قبل مؤسسات ثقافية وجامعات في عواصم عربية، يكون ​السفر غالباً على أجنحة الوجع: أولها تأمين تذاكر الطيران، عندما يتلقى الشاعر دعوة للمشاركة في مهرجان شعري أو ملتقى ثقافي خارج حدود بلاده، يتوقع المرء أن يُستقبل بما يليق بمكانته المعرفية. لكن الواقع الثقافي المعاصر غدا يمارس "البرستيج" على حساب كرامة المبدع.

​كثير من المهرجانات تخلت عن واجباتها الأخلاقية، وباتت تطالب الشاعر بأن يتحمل بنفسه نفقات سفره وإقامته. وهنا تكمن التضحية الكبرى؛ إذ يضطر الشاعر – كبرياءً وحباً بالفن – إلى اقتطاع ثمن تذكرة الطيران من مصروف عائلته ولقمة عيشه اليومية. يسافر غريباً، ويقيم في فندق على نفقته احياناً، من أجل أن يقف لدقائق معدودة على منبر يلقي فيه شعره لجمهور قد لا يعلم حجم الغصّة التي تجرعها هذا المبدع ليصل إليهم.

​سيذكر التاريخ بلا شك، وبأحرف من لوعّة وأسف، هذه الحقبة التي هان فيها الحرف على أهله، وأصبح فيها صانع الجمال غريماً للمادة. سيذكر التاريخ أن الشاعر المعاصر لم يتنازل، ولم يبع قلمه في سوق النخاسة الثقافية، ولم يطأطئ رأسه لموجات التسطيح التي تقودها المؤسسات ذات الأجندات التجارية.

​لقد اختار الشاعر الحقيقي أن يعتصم بـ "برجه العالي"، محافظاً على معايير الفن الرفيع ورصانة الكلمة، مفضلاً الخسارة المادية على الخسارة الوجودية والإبداعية.

​إن هذا الإنفاق المرير هو ضريبة "العشق والخلود". فالتاجر قد يجمع ثروات طائلة ثم يطويه النسيان مع فناء ماله، أما الشاعر الذي يجوع ليطبع ديواناً، أو يقتطع من رزقه ليطير خلف قصيدة، فإنه يشتري بماله الفاني بقاءً أبدياً لا يطاله الموت، ويسجل اسمه في ديوان الخالدين. طوبى لتلك الأيادي القابضة على جمر الحرف، وطوبى للقصيدة التي تبقى حرةً وعصيةً على الانكسار رغماً عن بؤس هذا الزمن المادي.