بغداد - سدن
بينما تتحدث الحكومة العراقية عن تقدم في الحوار مع الفصائل المسلحة، وتنتظر الثلاثين من أيلول باعتباره التاريخ الذي سيزيل آخر الذرائع أمام حصر السلاح بيد الدولة، جاءت مليشيا (كتائب سيد الشهداء) لتضع أمام بغداد قائمة مختلفة تماماً: عشرة شروط تبدأ بخروج القوات الأميركية ولا تنتهي عند إخراج القوات التركية والمعارضة الإيرانية، بل تمتد إلى أجواء العراق وحدوده واقتصاده وإقليم كردستان.
وبهذا، لم تعد المسألة بالنسبة إلى الفصيل الذي يتزعمه أبو آلاء الولائي مرتبطة بانتهاء مهمة التحالف الدولي وحدها، فالبيان الذي أصدرته الأمانة العامة لـ(كتائب سيد الشهداء)، ربط تفاعل الفصيل مع ملف (تنظيم السلاح) بتنفيذ عشرة شروط، في موقف يرفع سقف التفاوض مع الحكومة قبل شهر واحد فقط من الموعد الذي تراهن عليه بغداد لبدء المرحلة الأكثر جدية في حصر السلاح.
واللافت أن الكتائب لم تستخدم أساساً تعبير (تسليم السلاح)، بل تحدثت عن (تنظيمه)، وهي صياغة تترك الباب مفتوحاً أمام سؤال أكبر بشأن المقصود بالتنظيم، وما إذا كان يعني فعلاً إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة أم إعادة ترتيب وضعه تحت صيغة جديدة.
من الأميركيين إلى الاقتصاد
وطالبت مليشيا (سيد الشهداء) أولاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية براً وبحراً وجواً، ومنع استخدام الأجواء العراقية لاستهداف أي دولة أخرى، وإقرار قانون الحشد الشعبي بما يحفظ حقوق منتسبيه وينظم عمله.
لكن القائمة سرعان ما تجاوزت الوجود الأميركي، فالكتائب اشترطت كذلك فرض السيادة الاتحادية الكاملة على جميع الأراضي العراقية، وتعزيز الدفاعات الجوية بمنظومات متطورة تعمل بقرار عراقي حصري، وإخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني والجنود الأتراك من شمال العراق.
وطالبت أيضاً بأن يتولى الجيش العراقي مسك حدود إقليم كردستان باعتبارها، وفق البيان، مهمة حصرية وسيادية، إلى جانب إخراج جماعات المعارضة الإيرانية من مواقع تمركزها.
ولم يتوقف سقف المطالب عند الأمن والحدود، إذ اشترطت الكتائب تحرير القرار المالي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية، وإنهاء ما وصفته بالتدخل الأميركي وتدخل المبعوث الخاص في الشؤون الداخلية للعراق.
وبذلك أصبح مصير سلاح فصيل عراقي، وفق القائمة الجديدة، مرتبطاً دفعة واحدة بالولايات المتحدة وتركيا وإقليم كردستان وحزب العمال والمعارضة الإيرانية والدفاع الجوي والسياسة المالية والاقتصادية للدولة.
ماذا يبقى بعد 30 أيلول؟
وهذا تحديداً ما يجعل بيان (سيد الشهداء) أكثر أهمية من مجرد رفع لسقف التفاوض، فالحكومة بنت جانباً مهماً من مقاربتها للفصائل على سحب ذريعة وجود التحالف الدولي، وأكد الناطق باسمها حيدر العبودي أن موعد 30 أيلول غير قابل للتمديد، فيما قال مستشار رئيس الوزراء للأمن القومي قاسم الأعرجي إن الفرصة بعد انسحاب التحالف ستكون مؤاتية لحوار جاد بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وأكد الأعرجي أن الفصائل ملتزمة حالياً بعدم تنفيذ أعمال ضد دول الجوار أو داخل العراق، مشدداً في الوقت ذاته على أن سلاح البيشمركة يستند إلى الدستور، وأن إجراءات حصر السلاح تستهدف ما يقع خارجه.
لكن بيان (سيد الشهداء) يقول عملياً إن خروج التحالف لن يكون نهاية الشروط، وإنما نهاية الشرط الأول فقط.
فإذا غادر الأميركيون في الموعد المحدد ستبقى القوات التركية، وإذا عولج ملفها، ستبقى قضية حزب العمال، وبعدها حدود إقليم كردستان والمعارضة الإيرانية والدفاعات الجوية والقرار المالي والتدخل الأميركي، وهكذا يمكن أن تنتقل الحكومة من شرط إلى آخر، بينما يبقى السلاح في مكانه.
الأوروبيون باقون
وفي موازاة ذلك، ظهرت عقدة محتملة أخرى، بعدما أكد رئيس البعثة الاستشارية للاتحاد الأوروبي رالف شرودر أن بعثته لا ترتبط بالتحالف الدولي الذي يغادر العراق نهاية أيلول، معلناً الاستعداد لإطلاق مهمة جديدة تستمر عامين اعتباراً من تشرين الثاني المقبل.
وأوضح شرودر أن عمل البعثة مدني واستشاري، ويركز على صياغة القوانين والسياسات وبرامج تدريب الشرطة، ولا يشمل التعاون العسكري المباشر.
ورغم اختلاف طبيعة البعثة جذرياً عن قوات التحالف، فإن استمرار وجود بعثة أجنبية بعد أيلول قد يفتح باباً جديداً أمام الفصائل لتوسيع تعريفها للوجود الخارجي الذي تعتبره مساساً بالسيادة.
جرف الصخر.. الوجه الآخر للقضية
وجاء موقف (سيد الشهداء) بالتزامن مع تصعيد من نوع آخر لـ(كتائب حزب الله)، التي أعادت تسمية منطقة جرف الصخر المحتلة بـ(مدينة النصر)، ووجهت دعوة إلى الشيخ خميس الخنجر لزيارتها والصلاة فيها.
ورد الناطق باسم الخنجر بأن جرف الصخر "ليست ملكاً لفصيل أو جماعة مسلحة حتى تمنح الإذن بدخولها"، مطالباً بفتح المنطقة أمام أهلها وإعادة النازحين وتعويضهم والكشف عن مصير المفقودين.