من (لن نسلم) إلى (نتفاوض)..
الإطار يحاول تفكيك عقدة السلاح والفصائل تضع خلفه متاهة من الشروط

من (لن نسلم) إلى (نتفاوض)..
الإطار يحاول تفكيك عقدة السلاح والفصائل تضع خلفه متاهة من الشروط

بغداد - سدن

لم تعد الفصائل المسلحة في العراق تقول (لا) بصورة مطلقة لحصر السلاح بيد الدولة، لكنها أيضاً لم تقل (نعم)، وبين الكلمتين، بدأت معركة سياسية جديدة تدور بعيداً عن البيانات النارية والخطابات التعبوية، عنوانها: كيف يمكن تأجيل تسليم السلاح من دون إعلان رفض الدولة، وكيف يمكن تحويل استحقاق سيادي يفترض أن يكون واضحاً ومباشراً إلى حزمة طويلة من الشروط والضمانات والمقايضات؟

مصدر حكومي مطلع كشف لـ(سدن) عن تقدم في الاتصالات التي تجريها اللجنة الثلاثية المشكلة داخل الإطار التنسيقي مع قيادات الفصائل المسلحة، في محاولة للوصول إلى تسوية تنهي واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في العراق.

وتضم اللجنة كلاً من رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، إلى جانب زعيم منظمة بدر هادي العامري، الذي يبدو أنه يؤدي الدور الأكثر حساسية في الاتصالات، بالنظر إلى علاقته الطويلة بالفصائل وقدرته على الحديث مع الأطراف المؤيدة لحصر السلاح وتلك الرافضة له.

لكن المرونة التي تتحدث عنها الأوساط السياسية لا تعني حتى الآن قبولاً فعلياً بتسليم السلاح، بقدر ما تعني انتقال الفصائل من مرحلة رفض النقاش نفسه إلى مرحلة التفاوض على شروطه.

وبحسب المصدر، فقد أبلغت الفصائل اللجنة الثلاثية بأنها مستعدة للمضي نحو تفاهم بشأن السلاح، لكنها وضعت أمام ذلك سلسلة طويلة من المطالب، تبدأ بالتأكيد على أن القرار يجب أن يكون (عراقياً مستقلاً) ولا يخضع لأي ضغط خارجي، وخصوصاً من الولايات المتحدة.

والمفارقة أن قضية حصر السلاح، التي يفترض من حيث الأصل أن تكون قراراً سيادياً عراقياً خالصاً، تحولت في خطاب الفصائل نفسها إلى ملف مرتبط بمواقف واشنطن وطهران والقوات الأجنبية والحرب الإقليمية.

فالفصائل تطالب أيضاً بإقرار قانون الحشد الشعبي قبل أي خطوة عملية، وتصر على أن يشمل تنظيم السلاح جميع الأطراف، كما ترفض وضع جدول زمني ملزم لإنهاء العملية.

وهنا تحديداً تظهر العقدة التي تابعتها (سدن) خلال الأشهر الماضية، فكلما اقترب الحديث من موعد واضح أو إجراء تنفيذي، انتقل النقاش من (حصر السلاح) إلى (إدارته)، ومن التسليم إلى التنظيم، ومن القرار إلى الحوار، ومن الموعد النهائي إلى الظروف الإقليمية، وبذلك يصبح الزمن نفسه جزءاً من استراتيجية التفاوض.

الفصائل أعادت كذلك طرح الشرط الذي تكرر خلال الأسابيع الماضية، بلا تسوية نهائية بشأن السلاح قبل خروج القوات الأميركية بصورة كاملة، وانسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية، ويعني ذلك عملياً ربط ملف داخلي يتعلق بسلطة الدولة العراقية بملفات إقليمية وعسكرية قد لا تملك بغداد وحدها تحديد توقيتها أو آليات حسمها.

كما تطالب الفصائل بحسم وزارتي الداخلية والدفاع وتحديد المؤسسة الرسمية التي ستتولى استلام الأسلحة، وهو مطلب يبدو إدارياً في ظاهره، لكنه يفتح عملياً باباً آخر للمساومات السياسية بشأن الجهة التي ستكون صاحبة اليد العليا في عملية التسليم، والنتيجة أن قائمة الشروط تكاد تصبح أطول من عملية نزع السلاح نفسها.

مصادر سياسية تصف مجرد قبول الفصائل بالجلوس إلى طاولة الحوار بأنه تطور مهم، خصوصاً أن بعضها كان يرفض سابقاً مناقشة حصر السلاح من حيث المبدأ، لكن القراءة الأكثر حذراً تشير إلى أن الدخول في الحوار لا يعني بالضرورة الاقتراب من النهاية.

فالفصائل التي كانت ترفض تسليم السلاح أصبحت الآن مستعدة لمناقشته، لكنها تريد أولاً قانوناً للحشد، وخروج الأميركيين، وانسحاب الأتراك، وحسم الوزارات الأمنية، وتحديد جهة التسلم، ورفض الجدول الزمني، وضمان عدم ارتباط القرار بأي ضغط خارجي. أي أن الدولة مطالبة، وفق هذه المعادلة، بحل نصف مشكلات العراق الإقليمية والسياسية قبل أن تحصل على حقها الطبيعي في احتكار السلاح.

المصدر أكد أن اللجنة الثلاثية تواصل اجتماعاتها بصورة شبه يومية مع قيادات الفصائل، وسط مساعٍ للتوصل إلى صيغة نهائية تتجنب الصدام الداخلي، خصوصاً مع اشتداد المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ويبدو أن الجميع يدرك خطورة اللحظة.

الحكومة والإطار التنسيقي يريدان تجنب مواجهة داخلية قد تنفجر في الشارع، بينما تخشى الفصائل أن تجد نفسها أمام واقع سياسي جديد تصبح فيه كلفة الاحتفاظ بالسلاح أعلى من كلفة التخلي عنه، لكن الفارق بين الطرفين ما زال جوهرياً، فالدولة تتحدث عن حصر السلاح، والفصائل تتحدث عن شروط حصره، وبين القرار والشروط تدور الآن أهم مفاوضات عراقية صامتة.

وإذا استمرت إضافة شرط جديد في كل جولة، فقد لا يكون السؤال في النهاية، متى تسلم الفصائل سلاحها؟ بل كم ملفاً عراقياً وإقليمياً يجب أن يحل أولاً حتى تسمح الفصائل للدولة بأن تصبح دولة؟