واشنطن تدخل على خط (سويداء الهجري):
عصابات تملأ الفراغ.. والسلاح للدولة وحدها

واشنطن تدخل على خط (سويداء الهجري):
عصابات تملأ الفراغ.. والسلاح للدولة وحدها

براك يندد باعتقال عاطف هنيدي وإبعاده بعد رفضه ربط الدروز بإسرائيل..

ويتمسك بإعادة دمج المحافظة في الدولة السورية

دمشق - سدن

دخلت واشنطن بقوة على خط التطورات المتسارعة في السويداء، بعد أيام من تصاعد التوتر داخل المحافظة وظهور خلافات علنية بين قوى وشخصيات درزية من جهة، والمجموعات المسلحة المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري من جهة أخرى، إذ عبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك عن استياء بلاده من التصعيد المتجدد، محذراً من أن غياب الحوكمة يفتح الباب أمام "العصابات" لملء الفراغ، ومشدداً في رسالة لافتة على أن استخدام القوة العسكرية يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة الوطنية.

وجاء موقف براك بعد حادثة اقتحام منزل الوجيه الدرزي عاطف هنيدي في قرية المجدل بريف السويداء الغربي واعتقاله وإبعاده عن المحافظة، عقب إصداره بياناً شديد اللهجة رفض فيه المواقف الأخيرة للهجري بشأن إسرائيل، واعترض على اختزال الطائفة الدرزية بشخص أو موقف سياسي واحد. وتشير تقارير محلية إلى أن مسلحين تابعين لـ«الحرس الوطني» المرتبط بالهجري اقتادوا هنيدي من منزله، فيما قال التشكيل إن مغادرته السويداء تمت بناءً على رغبته.

ولم يتعامل المبعوث الأميركي مع قضية هنيدي باعتبارها مجرد خلاف محلي، بل أشار إليه بالاسم، وقال إنه تعرض لاحتجاز تعسفي وأُجبر على مغادرة منزله، مؤكداً أن فريقه يتواصل معه ومع آخرين قال إنهم تعرضوا للعنف داخل المجتمع المحلي.

وتكتسب الإشارة الأميركية إلى هنيدي أهمية سياسية خاصة، بالنظر إلى أن استهدافه جاء مباشرة بعد موقفه الرافض للتصريحات التي أطلقها الهجري بشأن علاقة دروز السويداء بإسرائيل ومستقبل المحافظة، وهو ما جعل القضية تتحول سريعاً من مواجهة محلية إلى اختبار لمدى قدرة الأصوات الدرزية المخالفة للهجري على التعبير عن مواقفها داخل المحافظة.

وقال براك إن الولايات المتحدة وقعت قبل نحو عام، إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، خارطة طريق ثلاثية للسلام في السويداء، هدفها إعادة دمج المحافظة في سوريا بصورة تحفظ كرامة أبنائها وتضمن للدروز كامل حقوق المواطنة، مقابل تحمل كامل الواجبات المترتبة عليها.

وأكد أن هذا المسار ما يزال، من وجهة النظر الأميركية، الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقود السويداء بعيداً عن دوامة العنف، مشدداً على المكانة التاريخية للطائفة الدرزية، وعلى ضرورة ضمان حقوق أبنائها ضمن الدولة السورية.

لكن الجزء الأكثر دلالة في موقف براك جاء في تشخيصه للوضع الداخلي في المحافظة، إذ حذر من أن غياب الحوكمة يسمح للعصابات بملء الفراغ، وتحدث عن قلة ذات "دوافع سامة" تحاول الانقلاب على أبناء مجتمعها، قبل أن يربط ذلك مباشرة بقضية هنيدي وما تعرض له.

ويأتي الموقف الأميركي منسجماً مع مسار سياسي بات أكثر وضوحاً خلال الأشهر الماضية، يقوم على معالجة خصوصية السويداء وحقوق الدروز ضمن إطار الدولة السورية، وليس عبر تكريس كيان منفصل أو سلطة عسكرية موازية لدمشق.

ودعا براك إلى استمرار التعاون بين الدروز والقبائل العربية والمجتمعات المحيطة بالسويداء على قاعدة التسامح والتفاهم، مؤكداً ضرورة النظر إلى سوريا باعتبارها "أمة واحدة وشعباً واحداً"، مع احترام التنوع الثقافي والديني الذي تتميز به البلاد.

وفي رسالة لا تقل أهمية عن موقفه من قضية هنيدي، دعا المبعوث الأميركي إلى تجنب ردود الفعل العسكرية المتسرعة، مؤكداً أن القوة العسكرية ينبغي أن تكون من اختصاص الدولة الوطنية، وهو موقف يضع مستقبل التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة في صلب أي تسوية دائمة لملف السويداء.

وفي المقابل، لم يتجاهل براك مسؤولية القوات الحكومية عن الانتهاكات التي شهدتها أحداث يوليو الماضي، وقال إن الحكومة السورية بدأت مواجهة الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها عناصر تابعة لها، واتجهت إلى محاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء السوري، معتبراً أن المضي في هذا الاتجاه يشكل أحد المسارات التي يمكن البناء عليها لاستعادة الثقة.

وشدد على أن التسوية المطلوبة لا يمكن أن تقوم من دون مساءلة، وإعادة الأمن، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعمار المناطق التي تضررت جراء المواجهات، مؤكداً أن الحوار والتواصل بين المكونات المحلية والدولة يمثلان البديل عن العودة إلى دائرة جديدة من الدم.

وتزامن الموقف الأميركي مع اتساع دائرة الإدانات داخل السويداء وخارجها لحادثة هنيدي، وكان محافظ السويداء مصطفى البكور قد دان اقتحام منزل ومضافة الوجيه الدرزي واعتقاله وإبعاده، معتبراً أن ما حدث ليس واقعة عابرة يمكن السكوت عنها، ومذكراً بالمكانة الاجتماعية والتاريخية للمضافة في جبل العرب وحرمة البيوت التي ظلت من الأعراف المصانة حتى في أشد مراحل الخصومة.

كما رفضت عائلة آل هنيدي الاعتداء المسلح على دارها وإجبار عاطف هنيدي على مغادرة السويداء، ووصفت ما جرى بأنه سابقة خطيرة ومستنكرة.

وتعيد قضية هنيدي إلى الواجهة الانقسام الذي تناولته (سدن) في تقارير سابقة بشأن حقيقة التمثيل السياسي للدروز في السويداء، ولا سيما مع بروز شخصيات اجتماعية ودينية وسياسية ترفض أن يحتكر الهجري الحديث باسم المحافظة أو أن تتحول السويداء إلى مساحة منفصلة عن الدولة السورية.

فالخلاف هذه المرة لم يعد بين دمشق والهجري وحدهما، بل انتقل إلى داخل البيت الدرزي نفسه، بعد خروج أصوات تعلن صراحة رفضها للمشروع الذي يربط مستقبل السويداء بإسرائيل، وتمسكها بهوية المحافظة السورية، وهو ما جعل طريقة التعامل مع هنيدي تطرح تساؤلات أكبر بشأن مساحة الاختلاف المسموح بها تحت سلطة التشكيلات المسلحة المسيطرة على أجزاء من المحافظة.

أما واشنطن، فقد بدت في موقف براك أكثر وضوحاً في رسم الإطار الذي تراه للحل: سويداء ضمن سوريا، حقوق كاملة للدروز، محاسبة على الانتهاكات أياً كان مرتكبها، حوار يعيد الأمن، وقوة عسكرية تحتكرها الدولة لا الجماعات المسلحة.

واختتم براك موقفه بالتحذير من حساسية اللحظة التي تمر بها المنطقة، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس والتواصل الجاد والصادق، ومؤكداً أن البديل عن الحوار لن يقود إلى انتصار أي طرف، وإنما إلى جولة أخرى من الحداد.